تصريحات نارية لعبد الملك الحوثي تعيد شبح استهداف المنشآت النفطية والمطارات السعودية، بعد انهيار الهدنة بين الجانبين، وسط مخاوف من اتساع رقعة الصراع وانعكاساته على أمن الطاقة العالمي وحركة الملاحة في المنطقة.
صنعاء – المنشر_الاخباري
عاد التصعيد العسكري بين جماعة الحوثي والسعودية إلى الواجهة مجددًا، بعدما وجّه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي تهديدًا مباشرًا باستهداف جميع المنشآت النفطية والحيوية في المملكة إذا أقدمت الرياض على تصعيد عملياتها العسكرية في اليمن، في تطور يعكس انهيار الهدنة غير المعلنة التي استمرت قرابة أربع سنوات، ويثير مخاوف من دخول الصراع مرحلة أكثر خطورة.
وقال عبد الملك الحوثي، في خطاب متلفز، إن جميع المنشآت النفطية وغيرها من المرافق الحيوية في السعودية ستكون أهدافًا لصواريخ الجماعة وطائراتها المسيّرة إذا وسعت الرياض تدخلها في الحرب اليمنية، مؤكدًا أن الجماعة سترد على أي هجوم جديد وفق ما وصفه بـ”معادلة الرد بالمثل”.
وجاءت هذه التصريحات بعد ساعات من إعلان الحوثيين إطلاق صواريخ باتجاه الأراضي السعودية، متهمين المملكة بشن غارة استهدفت مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الجماعة مطلع الأسبوع الجاري، وهو ما اعتبرته الجماعة خرقًا واضحًا للتفاهمات التي حافظت على هدوء نسبي منذ عام 2022.
وقال الحوثي إن “المعادلة الحقيقية هي مطار صنعاء مقابل مطار الرياض، والمطارات بالمطارات، والموانئ بالموانئ، والحصار بالحصار”، في رسالة حملت تهديدًا واضحًا بتوسيع دائرة الاستهداف لتشمل البنية التحتية المدنية والاقتصادية إذا استمر التصعيد العسكري.
ويعد هذا التهديد من أخطر التصريحات التي تصدر عن قيادة الحوثيين منذ سنوات، خاصة أنه يركز بصورة مباشرة على منشآت النفط السعودية التي تمثل عصب الاقتصاد السعودي وإحدى أهم ركائز سوق الطاقة العالمية.
وليس هذا النوع من التهديدات جديدًا، فقد سبق للحوثيين أن استهدفوا منشآت نفطية سعودية خلال السنوات الماضية. ففي سبتمبر/أيلول 2019، أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن الهجوم على منشأتي بقيق وخريص التابعتين لشركة أرامكو، وهو الهجوم الذي أدى إلى تعطيل أكثر من نصف إنتاج المملكة النفطي بصورة مؤقتة، وتسبب في ارتفاع حاد بأسعار النفط العالمية، قبل أن تستعيد السعودية قدرتها الإنتاجية خلال فترة قصيرة.
كما تعرضت مرافق طاقة سعودية لهجمات أخرى في عام 2022، عندما أعلنت قوات التحالف العربي أن محطة لتوزيع المنتجات البترولية التابعة لشركة أرامكو في جدة تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة وصواريخ، ما أدى إلى اندلاع حريق في الموقع، في واحدة من أبرز الهجمات التي استهدفت قطاع الطاقة السعودي.
ويأتي التصعيد الحالي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تشهد منطقة الخليج والشرق الأوسط توترات متزايدة على خلفية المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب تصاعد التوتر في البحر الأحمر ومضيق هرمز، وهو ما يزيد المخاوف من أن تتحول أي مواجهة جديدة في اليمن إلى عامل إضافي يهدد أمن الملاحة وإمدادات النفط العالمية.
وخلال السنوات الأخيرة، تمكنت الوساطات الإقليمية والدولية من خفض مستوى العمليات العسكرية بين السعودية والحوثيين، وأسهمت المفاوضات غير المباشرة في تحقيق حالة من الهدوء النسبي، إلا أن التوصل إلى اتفاق سلام شامل ظل بعيد المنال، مع استمرار الخلافات بشأن الملفات الأمنية والاقتصادية والإنسانية.
ويرى مراقبون أن استهداف مطار صنعاء، إذا ثبتت الاتهامات الحوثية، قد يمثل نقطة تحول في مسار الأزمة، إذ تعتبر الجماعة أن المطار يمثل شريانًا حيويًا للمناطق الواقعة تحت سيطرتها، بينما تؤكد السعودية باستمرار أن عملياتها العسكرية تستهدف مواقع تستخدم لأغراض عسكرية.
ويخشى خبراء الطاقة من أن يؤدي أي هجوم جديد على المنشآت النفطية السعودية إلى اضطرابات واسعة في الأسواق العالمية، خصوصًا أن المملكة تعد أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، فيما يمر جزء كبير من صادرات الطاقة الدولية عبر الخليج العربي والممرات البحرية القريبة من اليمن.
كما أن أي تصعيد جديد قد يؤثر على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وهو أحد أهم طرق التجارة الدولية، خاصة مع استمرار هجمات الحوثيين على السفن منذ اندلاع الحرب في غزة، وما تبعها من عمليات عسكرية دولية لحماية الملاحة.
وتؤكد الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا أن الحوثيين يواصلون استخدام القوة العسكرية لفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما تقول الجماعة إن عملياتها تأتي ردًا على ما تصفه بـ”العدوان والحصار”، وهو ما يعكس استمرار الفجوة الكبيرة بين مواقف الطرفين رغم سنوات من الوساطات.
ومنذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء في عام 2014، دخل اليمن في حرب واسعة بعد تدخل التحالف العربي بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015 دعمًا للحكومة الشرعية، لتتحول البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة، مع نزوح ملايين المدنيين وتدهور الأوضاع الاقتصادية والخدمية.
ورغم تراجع وتيرة القتال خلال الأعوام الأخيرة، فإن التهديدات المتبادلة بين الحوثيين والسعودية تشير إلى أن فرص العودة إلى المواجهة العسكرية المباشرة لا تزال قائمة، خصوصًا في ظل تعثر جهود التسوية السياسية واستمرار الخلافات حول مستقبل العملية السلمية.
وفي حال تحولت التهديدات الأخيرة إلى هجمات فعلية، فإن المنطقة قد تواجه جولة جديدة من التصعيد ستكون لها انعكاسات تتجاوز اليمن والسعودية، لتطال أسواق النفط العالمية وأمن الملاحة الدولية، في وقت تشهد فيه المنطقة أصلًا حالة غير مسبوقة من التوترات والصراعات المتشابكة.










