مراجعة عشرات الاتفاقيات القديمة تمهيدًا لاتفاق تجاري واسع.. بيروت ودمشق تراهنان على مليارات الدولارات بدلًا من تبادل محدود أنهكته سنوات الحرب
بيروت – المنشر_الاخباري
بدأت لبنان وسوريا خطوات عملية لإعادة بناء العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعد نهاية عهد حكم عائلة الأسد، في مسار جديد يهدف إلى تجاوز عقود من الاتفاقيات القديمة وإطلاق شراكة تجارية قد تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات.
وقال وزير الاقتصاد اللبناني عامر بساط إن بيروت ودمشق ستبدآن خلال الأشهر المقبلة مراجعة عشرات الاتفاقيات التجارية التي أُبرمت خلال العقود الماضية، تمهيدًا لإعادة تنظيم العلاقات الاقتصادية بما يتناسب مع المرحلة السياسية الجديدة في سوريا.
وجاءت تصريحات بساط عقب مباحثات أجراها مع نظيره السوري في العاصمة دمشق، حيث أكد أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تحتاج إلى “إعادة ضبط”، مشيرًا إلى أن التعاون التجاري يمكن أن يصبح “أحد أهم العلاقات الثنائية” بالنسبة للبنان وسوريا خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التحركات في ظل تغيرات سياسية كبيرة أعقبت نهاية حكم بشار الأسد عام 2024، بعد عقود طويلة شهدت وجودًا عسكريًا سوريًا في لبنان استمر قرابة ثلاثة عقود، وأثرت بشكل مباشر على طبيعة العلاقات بين البلدين.
40 اتفاقية على طاولة المراجعة
كخطوة أولى نحو إعادة هيكلة التعاون الاقتصادي، شكّل البلدان لجنة مشتركة في بداية يوليو لمراجعة أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم أُبرمت مع الحكومة السورية السابقة.
وتشمل الاتفاقيات ملفات متعددة، بينها أطر الاستثمار، ونظام التأشيرات، والضرائب، وتنظيم حركة البضائع، إضافة إلى قواعد التجارة والنقل بين البلدين.
وأوضح وزير الاقتصاد اللبناني أن عملية المراجعة قد تستغرق عدة أشهر، بينما يحتاج أي اتفاق تجاري شامل إلى وقت أطول بسبب وجود ملفات معقدة تتعلق بالرسوم الجمركية وآليات نقل البضائع عبر الحدود.
وأضاف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في اختلاف المعاملة الجمركية بين البلدين، موضحًا أن المصدرين اللبنانيين يدفعون رسوم تصدير بينما لا يخضع المصدرون السوريون للمعاملة نفسها، وهو ما يتطلب إعادة صياغة القواعد المنظمة للتبادل التجاري.
لبنان بوابة سوريا نحو الأسواق الخارجية
تاريخيًا، لعب لبنان دورًا محوريًا في حركة التجارة السورية، خاصة خلال سنوات الحرب التي استمرت 14 عامًا، حيث اعتمدت الشركات السورية على الأراضي اللبنانية كمسار رئيسي لتصدير منتجاتها إلى الأردن ودول الخليج.
ويشترك البلدان في حدود برية تمتد لنحو 230 ميلًا، ما يجعل التعاون اللوجستي بينهما عنصرًا أساسيًا في أي خطة لإحياء التجارة.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في أفضل مراحله أقل قليلًا من 800 مليون دولار، إلا أنه تراجع بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، إذ بلغ نحو 250 مليون دولار فقط العام الماضي.
ويرى الجانب اللبناني أن هذا الرقم لا يعكس الإمكانات الحقيقية للعلاقة الاقتصادية، إذ أكد بساط أن التجارة بين البلدين “يجب أن تُقاس بالمليارات” بدلًا من مئات الملايين.
رهانات اقتصادية بعد سنوات الانقسام
تسعى بيروت ودمشق من خلال إعادة فتح قنوات التعاون التجاري إلى معالجة آثار سنوات من القطيعة والتوتر السياسي، إضافة إلى الاستفادة من الموقع الجغرافي المشترك في إعادة تنشيط حركة النقل والتصدير.
بالنسبة لسوريا، يمثل فتح الأسواق الإقليمية عبر لبنان فرصة مهمة لتعزيز صادراتها وجذب الاستثمارات في مرحلة إعادة الإعمار، بينما ينظر لبنان إلى التعاون الاقتصادي مع دمشق باعتباره فرصة لتنشيط قطاعاته الإنتاجية والاستفادة من حركة الترانزيت.
لكن الطريق أمام اتفاق شامل لا يزال مليئًا بالعقبات، أبرزها الخلافات حول الرسوم الجمركية، وتنظيم المعابر الحدودية، والقيود المالية والسياسية التي خلفتها سنوات الحرب.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة الجديدة سيتوقف على قدرة البلدين على بناء علاقة قائمة على المصالح الاقتصادية بعيدًا عن ملفات الماضي، وتحويل الحدود المشتركة من منطقة توتر إلى ممر للتجارة والاستثمار.
ومع استمرار المفاوضات، تبدو بيروت ودمشق أمام اختبار حقيقي: هل يمكن أن تتحول العلاقات الاقتصادية إلى جسر لإعادة بناء الثقة بين بلدين جمعتهما الجغرافيا وفرّقتهما السياسة لعقود؟










