تقرير أمني جديد يفتح مواجهة سياسية حادة حول دور الدولة اللبنانية في تمويل التعويضات وإعادة الإعمار والخدمات المرتبطة بمناطق نفوذ حزب الله، وسط مطالب بإعادة النظر في العلاقة بين مؤسسات الدولة والحزب
بيروت – المنشر_الاخباري
تتصاعد في لبنان موجة جديدة من الجدل السياسي والأمني بعد تقرير تحليلي أثار تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة اللبنانية وحزب الله، مع اتهامات بأن المال العام قد يكون مرتبطاً بملفات تخدم نفوذ الحزب وتدعّم حضوره داخل المجتمع.
وبحسب تحليل صادر عن مركز القدس للشؤون الأمنية والعامة، فإن الدولة اللبنانية تواجه انتقادات بسبب ما وصفه التقرير باستخدام موارد عامة في ملفات مرتبطة بعناصر حزب الله وعائلاتهم، إضافة إلى عمليات إعادة إعمار في مناطق يتمتع فيها الحزب بنفوذ واسع وتقديم خدمات صحية واجتماعية مرتبطة بآثار المواجهات العسكرية.
وأعاد التقرير فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في لبنان، وهو ملف “الدولة داخل الدولة”، حيث يرى منتقدو حزب الله أن قوة الحزب لا تعتمد فقط على ترسانته العسكرية، بل أيضاً على شبكة واسعة من المؤسسات والخدمات والموارد التي تمنحه قدرة كبيرة على التأثير السياسي والاجتماعي.
ويرى هؤلاء أن استمرار تمويل أو دعم أي نشاط مرتبط بالحزب من خلال مؤسسات رسمية يضعف قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيادتها، خصوصاً في ظل المطالب الدولية المتكررة بحصر السلاح والقرار الأمني بيد الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية.
وتأتي هذه الاتهامات في وقت يمر فيه لبنان بأزمة اقتصادية غير مسبوقة، حيث يعاني ملايين اللبنانيين من تراجع الخدمات العامة، وانخفاض قيمة العملة، وتدهور مستوى المعيشة، ما يجعل أي حديث عن توجيه أموال الدولة نحو ملفات سياسية أو أمنية مثار غضب واسع بين قطاعات من المواطنين.
ويقول محللون إن القضية لا تتعلق فقط بحجم الأموال التي يتم إنفاقها، بل بالسؤال الأكبر حول طبيعة الدولة اللبنانية ومستقبلها: هل تستطيع الحكومة أن تكون الجهة الوحيدة التي تتحكم بالموارد والقرارات، أم ستبقى هناك قوى موازية تمتلك نفوذاً يتجاوز المؤسسات الرسمية؟
من جانبه، يرفض مؤيدو حزب الله هذه الاتهامات، ويؤكدون أن دعم عائلات القتلى أو مساعدة المناطق المتضررة من الحروب ليس تمويلاً عسكرياً، بل جزء من مسؤولية اجتماعية تجاه المواطنين الذين تضرروا من الصراعات.
كما يشير أنصار الحزب إلى أن مناطق واسعة في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تعرضت لأضرار كبيرة خلال السنوات الماضية، وأن إعادة الإعمار وتقديم الخدمات للسكان يجب ألا تكون موضع اتهام سياسي.
لكن منتقدي الحزب يردون بأن المشكلة الأساسية تكمن في وجود منظومة موازية للدولة، حيث يمتلك الحزب مؤسسات وشبكات دعم خاصة به، وهو ما يجعل عملية بناء دولة مركزية قوية أكثر صعوبة.
وتزداد حساسية الملف بسبب ارتباط حزب الله بإيران، حيث تعتبره دول عدة جزءاً من شبكة إقليمية واسعة تستخدمها طهران لتعزيز نفوذها في الشرق الأوسط. ويرى مراقبون أن الضغط على مصادر التمويل سيكون أحد الأدوات الرئيسية في أي محاولة مستقبلية لتقليص نفوذ الحزب.
وفي السنوات الأخيرة، ركزت الولايات المتحدة ودول غربية على استهداف الشبكات المالية المرتبطة بحزب الله، عبر عقوبات على أفراد وشركات ومؤسسات اتُهمت بتقديم الدعم المالي للحزب.
ويرى خبراء أن المعركة المقبلة في لبنان قد لا تكون فقط حول سلاح حزب الله، بل حول البنية الاقتصادية والاجتماعية التي ساعدت الحزب على الحفاظ على نفوذه لعقود.
فحتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بشأن الملف الأمني، فإن تفكيك شبكة العلاقات والخدمات التي بناها الحزب سيكون تحدياً أكثر تعقيداً، لأنه مرتبط بحياة شريحة واسعة من اللبنانيين.
وفي ظل هذه التطورات، يعود السؤال الأكثر إثارة للجدل إلى الواجهة: هل تستطيع الدولة اللبنانية استعادة السيطرة الكاملة على مواردها وقراراتها، أم أن نفوذ حزب الله سيبقى مرتبطاً ليس فقط بالسلاح، بل أيضاً بالمال والخدمات والقدرة على التأثير داخل المجتمع؟
ويرى مراقبون أن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد جزءاً كبيراً من مستقبل لبنان السياسي، خصوصاً مع استمرار الضغوط الداخلية والخارجية لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة داخل البلاد.
فالأزمة لم تعد مجرد خلاف حول حزب أو تيار سياسي، بل أصبحت نقاشاً حول شكل الدولة اللبنانية نفسها، ومن يملك القرار النهائي في بلد يعيش منذ سنوات بين أزمات اقتصادية وأمنية وسياسية متشابكة.










