عاد ملف سلاح حزب الله إلى واجهة المشهد السياسي اللبناني مع تأكيد وزير الخارجية يوسف رجي أن الحكومة ماضية في تنفيذ خطة تستهدف حصر السلاح بيد الدولة، معتبرا أن الأولوية القصوى تتمثل في نزع سلاح الحزب، وذلك بالتزامن مع بدء تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة في جنوب لبنان عقب زيارة الرئيس جوزيف عون إلى واشنطن والتي أعطت دفعة للمسار الذي ترعاه الولايات المتحدة لإعادة انتشار الجيش اللبناني وانسحاب القوات الإسرائيلية من مناطق محددة.
وقال رجي في مقابلة مع مجلة “لو جورنال دو ديمانش”، إن حزب الله “لبناني بالاسم، لكنه إيراني في الجوهر”، معتبرا أن طبيعة الحزب تتجاوز الإطار الوطني، في إشارة إلى ارتباطه العقائدي والسياسي بإيران، ومشددا على أن تفكيك بنيته العسكرية يمثل المدخل الأساسي لاستعادة الدولة اللبنانية احتكارها الشرعي للقوة.
وتأتي تصريحات وزير الخارجية اللبناني في وقت يتمسك فيه حزب الله بسلاحه، ويؤكد أنه يمثل “حركة مقاومة لبنانية” في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي المستمر لأجزاء من جنوب البلاد، وهو موقف يضع الحكومة أمام تحديات سياسية وأمنية معقدة في ظل الانقسام الداخلي حول مستقبل سلاح الحزب.
التقدم الميداني وتطبيق “صيغة الإطار”
ربط رجي بين زيارة الرئيس جوزيف عون إلى الولايات المتحدة والتقدم الذي تحقق في تنفيذ ما يعرف بـ”صيغة الإطار”، مؤكدا أن الزيارة أسهمت في كسر الجمود الذي رافق هذا الملف، وسمحت بإطلاق المرحلة الأولى من تطبيق الاتفاق في المناطق التجريبية.
وفي هذا السياق، أعلن الجيش اللبناني بدء انتشاره في بلدة زوطر الغربية بقضاء النبطية، الواقعة جنوب نهر الليطاني، باعتبارها أولى المناطق المشمولة بالمرحلة الأولى من الاتفاق الذي وقع في واشنطن في 26 يونيو/حزيران الماضي، وينص على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية مقابل تولي الجيش مسؤولية الأمن ونزع سلاح الجماعات المسلحة في تلك المناطق.
وأكد أن الحكومة اللبنانية اتخذت، منذ نحو عام ونصف، قرارا واضحا يقضي باعتبار جميع العمليات العسكرية التي ينفذها حزب الله غير شرعية، بعدما كان يتم التغاضي عن نشاطه العسكري في مراحل سابقة، مشيرا إلى أن الحكومة عازمة على إعادة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
المزاج العام والقدرات العسكرية
وأضاف أن مسألة تحول حزب الله إلى حزب سياسي مدني تبقى شأنا يخصه، لكن الأولوية بالنسبة للدولة تتمثل في إنهاء وجود أي قوة عسكرية خارج المؤسسات الرسمية، معتبرا أن استعادة الدولة احتكارها للسلاح تمثل شرطا أساسيا لاستعادة الاستقرار وترسيخ سيادة القانون.
ورأى أن المزاج العام داخل لبنان يشهد تحولا تدريجيا، مؤكدا أن الغالبية الساحقة من اللبنانيين، بمن فيهم عدد متزايد من أبناء الطائفة الشيعية، باتوا يؤيدون حصر السلاح بيد الدولة، بعدما كان كثيرون يتجنبون التعبير عن هذا الموقف علنا لأسباب أمنية.
كما اعتبر أن الجيش اللبناني يمتلك حاليا القدرات اللازمة للقيام بمهامه، مشيرا إلى أن حزب الله تعرض خلال الفترة الماضية لإضعاف كبير في قدراته العسكرية، وأن امتلاكه صواريخ باليستية لم يعد يمثل التحدي الرئيسي أمام الدولة، إذ أن أي مواجهة محتملة لن تكون مرتبطة بهذا النوع من الأسلحة.
الدور الأمريكي والتوازنات الداخلية
وفيما يتعلق بالدور الأمريكي، شدد رجي على أن واشنطن تبقى الطرف الأكثر قدرة على ممارسة الضغط على إسرائيل، وهو ما دفع لبنان إلى الترحيب بوساطتها في تنفيذ “صيغة الإطار”، مضيفا أن الولايات المتحدة مارست ضغوطا على الجانب الإسرائيلي، وحصلت على تأكيدات رسمية بأن تل أبيب لا تسعى إلى أطماع إقليمية داخل الأراضي اللبنانية.
وتعكس تصريحات رجي تصعيدا واضحا في خطاب الحكومة اللبنانية تجاه حزب الله، كما تعكس توجها رسميا لإعادة ترتيب المشهد الأمني عبر تعزيز دور الجيش باعتباره الجهة الوحيدة المخولة بحمل السلاح. غير أن نجاح هذا المسار سيظل رهينا بقدرة الحكومة على إدارة التوازنات الداخلية، وبمدى التزام الأطراف المعنية بتنفيذ الاتفاقات الأمنية، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتفظ بوجود عسكري في مناطق من جنوب لبنان، بينما يواصل حزب الله التأكيد على تمسكه بسلاحه باعتباره جزءا من معادلة “المقاومة”.










