تحركات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في القاهرة تثير تساؤلات حول توجهات واشنطن وسط تصاعد الاستقطاب بين محور تقوده مصر وآخر تتمحور حوله إثيوبيا
واشنطن- المنشر الاخبارى
أثارت التحركات الدبلوماسية الأخيرة التي قادها مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في العاصمة المصرية القاهرة، موجة من التساؤلات بشأن مستقبل السياسة الأميركية في منطقة القرن الأفريقي، وسط تحذيرات من انزلاق واشنطن إلى أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً، وفق تقرير نشرته مجلة The Africa Report.
ويرى التقرير أن سلسلة الاجتماعات التي عقدها بولس مع مسؤولين مصريين وإريتريين جاءت في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد التنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وهي منطقة أصبحت تمثل إحدى أهم ساحات الصراع الدولي والإقليمي بسبب موقعها الاستراتيجي وممراتها البحرية الحيوية.
وبحسب التقرير، فإن هذه اللقاءات أثارت مخاوف داخل الأوساط الدبلوماسية من أن إدارة ترامب قد تكون بصدد تبني مقاربة أقرب إلى الموقف المصري في ملفات المنطقة، دون امتلاك رؤية متماسكة لإدارة التوازنات المعقدة بين القوى المتنافسة.
استقطاب إقليمي متسارع
يشير التقرير إلى أن القرن الأفريقي يشهد تشكل محورين رئيسيين؛ الأول يضم مصر والصومال وإريتريا، بينما يتقارب في المقابل تحالف آخر يضم إثيوبيا وأرض الصومال وإسرائيل، وهو ما يضع الولايات المتحدة أمام خيارات معقدة قد تؤثر على مصالحها الاستراتيجية في شرق أفريقيا والبحر الأحمر.
ويرى مراقبون أن أي ميل أميركي الواضح إلى أحد الطرفين قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي، خاصة في ظل استمرار الخلافات بين القاهرة وأديس أبابا حول قضايا الأمن الإقليمي وسد النهضة ومستقبل التوازنات في البحر الأحمر.
لماذا تثير لقاءات القاهرة الاهتمام؟
تأتي زيارة بولس في وقت تعمل فيه مصر على تعزيز تنسيقها السياسي والعسكري مع الصومال وإريتريا، في مواجهة التحركات الإثيوبية الهادفة إلى توسيع نفوذها البحري، خصوصاً بعد توقيع مذكرة التفاهم المثيرة للجدل بين إثيوبيا وأرض الصومال، والتي منحت أديس أبابا منفذاً محتملاً على البحر الأحمر.
وبحسب التقرير، فإن هذه التطورات جعلت القاهرة تعتبر الملف جزءاً من أمنها القومي، فيما تنظر إثيوبيا إليه باعتباره ضرورة استراتيجية لدولة حبيسة تسعى للحصول على منفذ بحري دائم.
واشنطن بين حليفين استراتيجيين
ويؤكد التقرير أن الولايات المتحدة تواجه معضلة حقيقية في إدارة علاقاتها مع طرفين يعدان من أهم شركائها في القارة الأفريقية؛ فمصر تمثل أحد أبرز الحلفاء التقليديين لواشنطن في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينما تُعد إثيوبيا لاعباً محورياً في شرق أفريقيا، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية.
ويحذر التقرير من أن أي سياسة أميركية تفتقر إلى التوازن قد تؤدي إلى خسارة أحد الطرفين، وهو ما قد ينعكس على النفوذ الأميركي في منطقة تشهد بالفعل منافسة متزايدة من جانب روسيا والصين وتركيا وعدد من القوى الإقليمية.
البحر الأحمر في قلب المنافسة
يلفت التقرير إلى أن التحركات الأميركية لا ترتبط فقط بالخلافات الثنائية بين مصر وإثيوبيا، بل تتصل أيضاً بالتنافس الدولي على البحر الأحمر، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة استراتيجية تتقاطع فيها المصالح العسكرية والاقتصادية العالمية.
ويعد مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية وإمدادات الطاقة، ما يجعل استقرار دول القرن الأفريقي قضية تتجاوز الإطار الإقليمي إلى حسابات الأمن العالمي.
هل تمتلك إدارة ترامب استراتيجية واضحة؟
وينقل التقرير عن دوائر مطلعة أن ما يثير القلق ليس مجرد الاجتماعات التي عقدها بولس، وإنما غياب تصور أميركي معلن لكيفية إدارة التنافس بين الحلفاء في المنطقة.
ويرى محللون أن الإدارة الأميركية قد تجد نفسها عالقة بين مطالب القاهرة بدعم مواقفها الأمنية، ورغبتها في الحفاظ على علاقتها مع إثيوبيا، إضافة إلى مراعاة مصالح إسرائيل التي عززت خلال السنوات الأخيرة تعاونها مع أديس أبابا وأرض الصومال.
مخاطر الانحياز
ويحذر التقرير من أن أي انحياز أميركي قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد السياسي والعسكري في منطقة تعاني أصلاً من أزمات متشابكة، تشمل النزاعات الحدودية، والصراعات الداخلية، وأزمات الإرهاب، والتنافس على الموانئ والبنية التحتية.
كما قد يمنح ذلك قوى دولية منافسة فرصة لتعزيز حضورها في أفريقيا، إذا شعرت بعض الدول بأن واشنطن لم تعد قادرة على لعب دور الوسيط المتوازن.
أهمية القرن الأفريقي في الحسابات الدولية
ويخلص التقرير إلى أن القرن الأفريقي أصبح يمثل إحدى أهم ساحات الصراع الجيوسياسي في العالم، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، وإنما أيضاً لارتباطه بأمن البحر الأحمر، وخطوط التجارة العالمية، والتنافس على النفوذ بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والقوى الإقليمية.
ويرى أن نجاح السياسة الأميركية في المنطقة سيعتمد على قدرتها على تحقيق توازن دقيق بين حلفائها، وتجنب الانخراط في استقطابات قد تؤدي إلى إعادة رسم خريطة التحالفات بصورة لا تخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل.










