تحركات باريس تجاه السلطات العسكرية في السودان تثير جدلاً واسعاً، وسط اتهامات بأن السياسة الفرنسية الجديدة تقوم على الواقعية السياسية ومحاولة احتواء نفوذ جماعات مرتبطة بالإسلام السياسي بدلاً من مواجهتها بشكل مباشر.
باريس- المنشر_الاخباري
تتجه السياسة الفرنسية في تعاملها مع ملفات الشرق الأوسط وأفريقيا نحو مقاربة أكثر براغماتية، حيث يبدو أن باريس باتت تضع حسابات النفوذ والاستقرار السياسي في مقدمة أولوياتها، حتى عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع أطراف تثير جدلاً واسعاً داخل المجتمعات الغربية.
وفي السودان، يبرز هذا التوجه من خلال محاولات فرنسا تعزيز قنوات التواصل مع السلطات العسكرية المدعومة من تيارات إسلامية، في إطار ما تصفه باريس بأنه جهود دبلوماسية تهدف إلى دعم الاستقرار وإنهاء الصراع.
لكن هذا النهج يواجه انتقادات من مراقبين يرون أن الخطوة قد تمثل نوعاً من التكيف السياسي مع واقع فرضته الحرب، بدلاً من معالجة جذور الأزمة المرتبطة بدور القوى الإسلامية وشبكات النفوذ المرتبطة بها داخل المشهد السوداني.
واقعية سياسية أم تنازل عن المبادئ؟
يعتمد صانعو القرار في باريس بشكل متزايد على مفهوم “الواقعية السياسية”، وهو نهج يقوم على التعامل مع موازين القوى القائمة بدلاً من التركيز فقط على المواقف الأيديولوجية أو المبادئ السياسية.
وفي هذا السياق، ترى بعض الدوائر الفرنسية أن الحفاظ على قنوات اتصال مع جميع الأطراف قد يكون ضرورياً لحماية المصالح الفرنسية، وتأمين نفوذها في منطقة الساحل والقرن الأفريقي، ومنع تمدد قوى منافسة مثل روسيا أو إيران.
إلا أن منتقدين يعتبرون أن هذا الأسلوب قد يؤدي إلى منح شرعية سياسية لأطراف متهمة باستخدام الدين كأداة نفوذ سياسي، خاصة في ظل المخاوف الأوروبية المتزايدة بشأن نشاط جماعات الإسلام السياسي داخل القارة.
ملف الإخوان المسلمين حاضر في الحسابات الفرنسية
خلال السنوات الماضية، أبدت الحكومة الفرنسية قلقاً متزايداً من تنامي نفوذ منظمات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين أو التيارات القريبة منها داخل بعض مؤسسات المجتمع المدني الفرنسي.
وقد ركزت باريس على ما تسميه “مكافحة الانفصال السياسي والديني”، في محاولة للحد من تأثير جماعات ترى الحكومة الفرنسية أنها قد تستغل العمل المجتمعي لنشر أجندات سياسية.
لكن المفارقة التي يطرحها منتقدون هي أن فرنسا، بينما تتشدد داخلياً تجاه بعض التيارات الإسلامية السياسية، قد تكون أكثر مرونة خارج حدودها عندما تتعلق المسألة بالمصالح الجيوسياسية.
السودان.. ساحة صراع إقليمي ودولي
لا ينفصل الملف السوداني عن التنافس الدولي الأوسع في أفريقيا.
فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تحولت البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية متعددة، من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، مروراً بملفات الطاقة والهجرة والأمن.
وتسعى القوى الكبرى إلى الحفاظ على موطئ قدم في السودان، نظراً لموقعه الاستراتيجي وثرواته الطبيعية وقربه من طرق التجارة العالمية.
ومن هذا المنطلق، ترى بعض التحليلات أن باريس قد تفضل التعامل مع القوى الموجودة على الأرض بدلاً من انتظار تسوية سياسية مثالية قد تستغرق سنوات.
انتقادات: الدبلوماسية قد تتحول إلى احتواء للإسلاميين
يرى معارضون لهذا التوجه أن الانفتاح على سلطات مدعومة من تيارات إسلامية قد يرسل رسائل متناقضة، خصوصاً في وقت تحاول فيه فرنسا تقديم نفسها كدولة تواجه نفوذ الإسلام السياسي.
ويحذر هؤلاء من أن التركيز على الاستقرار قصير المدى قد يؤدي إلى تجاهل قضايا أعمق مثل بناء مؤسسات مدنية قوية، وضمان مشاركة سياسية واسعة، ومنع عودة الأنظمة الأيديولوجية التي ساهمت في أزمات المنطقة.
بين الأمن والمبادئ.. معضلة باريس
تواجه فرنسا معضلة مشابهة لما واجهته قوى غربية أخرى في مناطق النزاعات: هل الأولوية لتحقيق الاستقرار بأي ثمن، أم الضغط من أجل تغيير سياسي أوسع؟
ففي مناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا، غالباً ما تجد الدول الغربية نفسها أمام خيارات صعبة بين التعامل مع حكومات قائمة وبين دعم قوى معارضة قد لا تمتلك القدرة على إدارة المرحلة الانتقالية.
وفي حالة السودان، يبدو أن باريس تحاول السير في منطقة وسطى: الحفاظ على دور دبلوماسي مؤثر، ومنع انهيار الدولة، مع محاولة تجنب مواجهة مباشرة مع القوى الإسلامية أو العسكرية الموجودة في المشهد.
مستقبل السياسة الفرنسية في السودان
يبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كانت هذه المقاربة ستنجح في تحقيق أهدافها أم أنها ستخلق انتقادات جديدة لفرنسا من داخل المنطقة وخارجها.
فبينما يرى مؤيدو الواقعية السياسية أن الحوار مع جميع الأطراف هو الطريق الوحيد للوصول إلى حلول عملية، يرى منتقدون أن بعض التنازلات قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمات نفسها التي عانت منها المنطقة لعقود.
وفي النهاية، ستحدد نتائج الحرب السودانية ومستقبل التوازنات الإقليمية ما إذا كانت سياسة باريس تجاه الخرطوم كانت خطوة محسوبة نحو السلام، أم مجرد تكتيك مؤقت لتجنب مواجهة سياسية أكبر.
فى النهاية فرنسا تجد نفسها أمام اختبار صعب في السودان: الحفاظ على مصالحها ونفوذها، دون أن تبدو وكأنها تتجاهل المخاوف المتعلقة بصعود الإسلام السياسي. وبينما تقدم باريس تحركاتها باعتبارها دبلوماسية تهدف إلى السلام، يرى خصومها أنها قد تكون محاولة لاحتواء أزمة داخلية عبر تفاهمات خارجية.










