لندن – المنشر_الاخباري
بدأت السلطات في النيجر إجراءات لسحب وثائق الهوية والجنسية من أفراد قبيلة المحاميد العربية في شرق البلاد، في خطوة أثارت مخاوف من أن تكون تمهيدا لترحيلهم إلى تشاد، بينما رفض ممثلو القبيلة تسليم أوراقهم وطالبوا بفتح حوار مباشر مع حكومة نيامي.
وتأتي هذه التطورات في منطقة ديفا الحدودية مع تشاد، حيث يعيش آلاف من أفراد المحاميد منذ عقود، ويحمل كثير منهم وثائق رسمية نيجرية تشمل بطاقات الهوية وشهادات الميلاد.
مطالب بتسليم وثائق الهوية والجنسية
وقالت مصادر خاصة لـ”سكاي نيوز عربية” إن مفاوضات جرت الثلاثاء بين ممثلين عن المحاميد ومسؤولين في مدينة نغيغمي التابعة لإقليم ديفا، أُبلغ خلالها وفد القبيلة بضرورة تسليم جميع وثائق الهوية والجنسية والحالة المدنية التي بحوزة أفرادها.
وبحسب المصادر، أبلغ المسؤولون الوفد بأن القرار صادر عن وزير الداخلية، دون تقديم وثيقة مكتوبة أو توضيح الأساس القانوني لسحب أوراق أشخاص ولد كثير منهم في النيجر ويحملون جنسيتها منذ سنوات طويلة.
ورفض ممثلو المحاميد تسليم الوثائق بشكل قاطع، وطالبوا بعقد لقاء مع المسؤولين في العاصمة نيامي، فيما تم رفع طلبهم إلى ممثل السلطة العسكرية في المنطقة.
السلطات: القرار لا يستهدف العرب
قال مصدر مطلع إن مسؤولين أبلغوا وفد المحاميد بأن الإجراء لا يستهدف عرب النيجر بشكل خاص، وإنما يشمل جميع القبائل والمجموعات التي تعتبرها السلطات مقيمة في البلاد بصورة غير قانونية.
وأوضح المصدر أن المسؤولين أكدوا أن الإجراءات قد تطال أشخاصا ينحدرون من دول مجاورة، وطُلب منهم “العودة من حيث أتوا”، حتى لو كانوا يحملون وثائق نيجرية أو حصلوا على الجنسية في مراحل سابقة.
ويثير هذا التفسير مخاوف من فقدان بعض الأشخاص القدرة على إثبات مواطنتهم، خصوصا إذا تم سحب بطاقات الهوية وشهادات الميلاد وجوازات السفر، الأمر الذي قد يجعلهم عرضة للترحيل أو خطر انعدام الجنسية.
المحاميد يرفضون الاتهامات ويؤكدون انتماءهم للنيجر
أكد ممثلو القبيلة خلال المفاوضات أنهم يعيشون في النيجر منذ عقود، وأن عددا كبيرا منهم ولد داخل البلاد ويدفع الضرائب ويلتزم بالقوانين.
وقال أحد ممثلي المحاميد في تسجيل صوتي متداول: “أخبرناهم أن سحب أوراقنا غير قانوني. منذ خمسين عاما ونحن هنا، ولدنا هنا وندفع جميع الضرائب ونلتزم بالقانون”.
كما أكد ممثلو القبيلة، بحسب مصادر مطلعة، أن أفراد المحاميد لم يثبت تورطهم في أي قضايا أمنية، ولم ينضم أي منهم إلى الجماعات المسلحة الناشطة في منطقة الساحل.
مصادرة آلاف الإبل تزيد التوتر
تزامنت أزمة الوثائق مع قيام السلطات بمصادرة نحو ألفي رأس من الإبل المملوكة لأفراد من المحاميد خلال الأيام الماضية، وفقا للمصادر.
وأظهرت مقاطع فيديو متداولة قطعانا كبيرة من الإبل تُساق برفقة سيارات قيل إنها تابعة للسلطات، قبل أن تتم إعادتها لاحقا إلى أصحابها.
ورجح مصدر رفيع أن تكون السلطات تسعى إلى احتواء الأزمة بعد تصاعد الجدل حول القضية على مواقع التواصل الاجتماعي، محذرا من أن استمرار الإجراءات قد يزيد التوتر في بلد يواجه تحديات أمنية متزايدة.
خلافات حول الرعي والمياه خلف الأزمة
وبحسب المصادر، لا ترتبط مخاوف السلطات باتهامات تتعلق بالإرهاب، وإنما بخلافات محلية مرتبطة بالرعي واستخدام الأراضي والمياه.
وتتهم مجموعات زراعية في المنطقة قطعان المحاميد بالتسبب في أضرار للمحاصيل الزراعية نتيجة دخولها إلى الأراضي المزروعة، إضافة إلى التنافس على الموارد الطبيعية في إقليم ديفا.
وتخشى السلطات من تحول هذه النزاعات المحلية إلى مواجهات أوسع بين المجموعات العربية والرعوية من جهة، والسكان الزراعيين من جهة أخرى.
من هم عرب المحاميد؟
المحاميد جماعات عربية مسلمة ناطقة بالعربية، ترتبط تاريخيا بقبائل الرزيقات والبقارة المنتشرة في السودان وتشاد.
ويعتمد كثير منهم تقليديا على الرعي وتربية الإبل والتنقل عبر مناطق الساحل والصحراء.
وتوجهت موجات كبيرة منهم إلى شرق النيجر بعد موجات الجفاف التي ضربت منطقة الساحل في سبعينيات القرن الماضي، ثم خلال الحروب والصراعات التي شهدتها تشاد في ثمانينيات القرن الماضي.
واستقر المحاميد خصوصا في مناطق ديفا ونغيغمي وماين سوروا وغودوماريا، ولا يمثلون جميع العرب الموجودين في النيجر، إذ توجد جماعات عربية أخرى في مناطق مختلفة من البلاد.
أزمة تعود إلى عام 2006
ولا تعد هذه المرة الأولى التي تواجه فيها قبيلة المحاميد أزمة مع السلطات النيجرية.
ففي أكتوبر 2006، بدأت النيجر إجراءات لترحيل أفراد من المحاميد إلى تشاد، بعد اتهامات لهم بالإقامة غير القانونية والتسبب في نزاعات حول المياه والمراعي.
وأثارت تلك العملية احتجاجات وتحذيرات من اندلاع صراع قبلي، قبل أن تتراجع الحكومة عن تنفيذها بعد تدخل دول مجاورة وبدء مفاوضات مع قادة القبيلة.
وتعيد الإجراءات الحالية مخاوف تلك الأزمة، لكنها تحمل هذه المرة بعدا قانونيا أكثر حساسية، إذ إن الحديث لا يدور فقط عن مهاجرين بلا أوراق، بل عن أشخاص يقولون إنهم مواطنون نيجريون يحملون وثائق رسمية ويعيشون في البلاد منذ عشرات السنين.










