تثير الضربات العسكرية السعودية الأمريكية، التي استهدفت مؤخرا فصائل مسلحة في العراق، مخاوف دولية واسعة من دفع المنطقة بأكملها نحو المجهول؛ حيث تساهم هذه التطورات في تأجيج صراع متسع النطاق وسط عجز تام عن التنبؤ بمساراته المستقبلية، بحسب ما خلص إليه تقرير مطول لصحيفة «الغارديان» البريطانية.
نقطة تحول وانخراط سعودي علني
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن هذه الغارات جاءت عقب فترة هدوء قصيرة أعقت الهجمات الأمريكية المباشرة على إيران، إلا أن حلفاء طهران الإقليميين باتوا منخرطين في الصراع بصورة متزايدة.
واعتبر التقرير أن الضربات المتبادلة مؤشر بارز على انتهاء فترة التوقف المؤقت للقتال، متزامنا مع وقوع انفجارات غامضة بطائرة مسيرة استهدفت محطة لتحميل الغاز الطبيعي بميناء دمياط المصري على البحر المتوسط.
ولفتت «الغارديان» إلى أن التقارير السابقة تحدثت عن أدوار سعودية سرية ومحدودة ضد إيران، إلا أن التورط السعودي العلني الراهن يمثل نقطة تحول جذرية جديدة في هيكل الصراع، لا سيما بعد إعلان الحوثيين في اليمن فرض حصار بحري على الموانئ والشحنات السعودية عند مدخل البحر الأحمر.
تلاشي “الإنكار المعقول” وفوضى استراتيجية
وفي قراءتها لحالة الفوضى المتفاقمة، لخصت الباحثة في معهد «تشاتهام هاوس»، سنام وكيل، المشهد بالقول إن «الجميع يحاول فهم أمر بات يفتقر إلى المنطق بشكل متزايد»، موضحة أن وقف الهجمات الأمريكية المباشرة ضد إيران دفع طهران إلى نقل عبء الضغط على واشنطن إلى وكلائها.
وأكدت وكيل أن خيار «الإنكار المعقول» الذي اعتمدت عليه إيران طويلا لم يعد مجديا لادراك الجميع مدى تشابك شبكة التحالفات الإقليمية.
وأضافت أن طهران تتبع استراتيجية متعمدة تتسم بعدم القدرة على التنبؤ للضغط على إدارة ترامب نحو المواجهة أو انتزاع تنازلات، بهدف الإبقاء على «قبضة خانقة على مضيق هرمز»، بينما ترى دول المنطقة في هذا السياق الفوضوي فرصة تاريخية لإضعاف النفوذ الإيراني.
رسائل الردع الخليجية ومخاطر الحسابات الخاطئة
من جانبه، أوضح الباحث في المعهد الملكي البريطاني، إتش إيه هيلير، أن السعودية تشعر بأن طهران قامت بتصرفاتها لاعتقادها بأن دول الخليج لن تصعد الموقف.
وشدد هيلير على أن الرياض أرادت إرسال رسالة حاسمة تفيد بأن هذا التقدير خاطئ تماما، وأن طهران مخطئة إن ظنت أن دول الخليج فريسة سهلة.
غير أن هيلير حذر من أن الهجوم على فصائل «الحشد الشعبي» في العراق، وإن بدا للرياض خطوة مدروسة، إلا أن طبيعة الرد الإيراني المستقبلية تظل مستحيلة التنبؤ. واختتم بالقول إن المنطقة باتت تسبح في «منطقة مجهولة» تنطوي على مجازفات هائلة، نظرا لأن طهران تنظر للمعركة من منظور حرب وجودية تفرض عليها إعادة صياغة قواعد اللعبة جذريا بغض النظر عن مبالغتها في تقدير أوراق قوتها.










