بعد نحو ثلاث سنوات من بقائهم مفقودين، انتشلت فرق الإنقاذ بقايا أفراد من عشيرة الحسّينات في حي الصبرة بمدينة غزة، في جنازة جماعية كشفت حجم المآسي التي خلفتها الغارات على المناطق السكنية
غزة – المنشر الإخباري
في مشهد حمل مزيجًا من الحزن والصدمة والانتظار الطويل، شيّع سكان قطاع غزة، الثلاثاء، رفات 112 شخصًا من عائلة الحسّينات، المعروفة أيضًا باسم عشيرة أبو شريعة، بعد العثور عليهم تحت أنقاض مبانٍ سكنية مدمرة في حي الصبرة بمدينة غزة، بعد مرور ما يقارب ست سنوات على الانفجار الكبير الذي هزّ لبنان، ونحو ثلاث سنوات على مقتل أفراد العائلة في الحرب الحالية.
ووُضعت بقايا الضحايا داخل أكياس ولفائف غُطيت بالأعلام الفلسطينية، وحُملت على نقالات وسط موقع مدمر لم يبقَ منه سوى الركام، بينما تجمع أقارب الناجين وسكان الحي للمشاركة في جنازة جماعية وصفتها السلطات الفلسطينية بأنها واحدة من أكبر مراسم الدفن الجماعي منذ بداية الحرب.
وقالت السلطات الفلسطينية إن 308 أفراد من العائلة الممتدة قُتلوا في 22 نوفمبر 2023، عندما دمرت غارات جوية إسرائيلية عددًا من المباني السكنية في حي الصبرة بينما كان السكان نائمين، وفق الرواية الفلسطينية للحادثة.
وكان جزء من الضحايا قد تم انتشاله ودفنه سابقًا، لكن نحو 153 شخصًا ظلوا تحت الأنقاض لسنوات، قبل أن تبدأ فرق الدفاع المدني عملية بحث معقدة استمرت 17 يومًا، شارك فيها عشرات العمال الذين عملوا وسط ظروف صعبة لاستخراج ما يمكن العثور عليه من رفات.
وقال أفراد من العائلة إن العثور على الجثامين، رغم قسوته، منحهم فرصة لإنهاء حالة الانتظار التي عاشوها منذ فقدان أقاربهم، بعدما ظل كثيرون لا يعرفون مصير أحبائهم، بين احتمال بقائهم أحياء أو وفاتهم تحت الركام.
وقال تيسير الحسّينات، أحد الناجين من العائلة، إن يوم الجنازة أعاد الألم القديم إلى الواجهة، موضحًا أن رؤية رفات الأقارب بعد سنوات من الغياب “فتحت الجروح من جديد”، لكنه أكد أن العائلة تحاول التمسك بالإيمان باعتبار الضحايا شهداء.
ومن بين أكثر القصص تأثيرًا قصة عمر الحسّينات، البالغ من العمر 65 عامًا، الذي فقد زوجته وأربعة من أبنائه وأربعة من أحفاده الصغار خلال القصف. وقال عمر، الذي غادر غزة إلى مصر بعد أيام من الحادثة، إنه تابع مراسم الدفن عبر التلفزيون، مؤكدًا أن أفراد عائلته ظلوا حاضرين في ذاكرته وأحلامه طوال السنوات الماضية.
وقال عمر: “إنهم أجزاء مني، فكرت بهم كل يوم، ورأيتهم في أفكاري وأحلامي”، مضيفًا أن دفنهم أخيرًا يمثل لحظة مؤلمة لكنها تمنح العائلة بعض السلام بعد فترة طويلة من الانتظار.
وتعكس مأساة عائلة الحسّينات طبيعة الخسائر الكبيرة التي لحقت بالعائلات الممتدة في غزة، حيث تعيش العديد من الأسر الكبيرة في تجمعات سكنية واحدة بسبب الروابط العائلية والاجتماعية، ما يجعل أي استهداف لهذه المناطق يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا من العائلة نفسها.
وكانت عشيرة الحسّينات من العائلات المعروفة في غزة، وتنحدر من أصول بدوية، واشتهرت بعلاقاتها الاجتماعية الواسعة وترابط أفرادها. وقال ناجون إن أفراد العائلة كانوا قد تجمعوا في عدة مبانٍ قريبة من بعضها خلال بداية الحرب بحثًا عن الحماية، قبل أن تتحول تلك الأماكن إلى مواقع للدمار.
ولم تتمكن وكالة رويترز من الحصول على بيان عسكري إسرائيلي يوضح تفاصيل الغارة التي وقعت في نوفمبر 2023، كما لم يرد الجيش الإسرائيلي فورًا على طلب للتعليق حول الحادثة.
وتقول السلطات الصحية في غزة إن أعداد القتلى خلال الحرب تجاوزت عشرات الآلاف، بينما لا يزال آلاف الأشخاص يُعتقد أنهم موجودون تحت أنقاض المباني المدمرة، بسبب صعوبة عمليات البحث ونقص المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الركام.
وقال محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، إن عملية التعرف على رفات أفراد العائلة كانت شديدة الصعوبة بسبب تحلل الجثامين، موضحًا أن أقارب الضحايا ساعدوا في التعرف عليهم من خلال الملابس، والعلامات الجسدية، والمجوهرات، وبعض الأدلة الطبية مثل الصفائح المعدنية المستخدمة في عمليات علاجية سابقة.
وأضاف أن فرق الدفاع المدني ستواصل البحث في المناطق التي يمكن الوصول إليها، مشيرًا إلى أن توفر عدد أكبر من المعدات الثقيلة كان يمكن أن يسرع عمليات انتشال الضحايا وإنهاء المهمة خلال فترة أقصر بكثير.
وفي نهاية مراسم التشييع، حمل الرجال الرفات عبر شوارع غزة المدمرة، قبل دفنها في مقبرة وسط أنقاض المدينة، في لحظة جمعت بين الحزن على فقدان أفراد عائلة كاملة والأمل بأن يحصل الضحايا وأسرهم أخيرًا على بعض من العدالة والراحة.
وتبقى مأساة عائلة الحسّينات مثالًا مؤلمًا على أثر الحرب على المدنيين، حيث لا تزال عائلات كثيرة في غزة تواجه انتظارًا مشابهًا لمعرفة مصير أقاربها الذين اختفوا تحت الركام، في ظل استمرار الجهود الإنسانية للبحث والانتشال.










