القدس المحتلة – المنشر_الاخباري
تواجه إسرائيل أزمة مؤسساتية متزايدة مع دخولها موسم الانتخابات، في ظل شغور منصب مراقب الدولة منذ مطلع يوليو، وعدم استكمال إجراءات انتخاب مراقب جديد رغم صدور قرار ملزم عن المحكمة العليا يقضي بإعادة التصويت على المنصب.
وتأتي الأزمة في توقيت حساس، بالتزامن مع انطلاق الانتخابات التمهيدية داخل الأحزاب استعدادًا لانتخابات الكنيست السادسة والعشرين، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة أجهزة الرقابة على متابعة تمويل الحملات الانتخابية والمرشحين وضمان التزامهم بالقواعد القانونية.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست»، قال الباحثان أوفر كينيغ وأساف شابيرا إن استمرار شغور المنصب أدى إلى تعطيل جزء مهم من منظومة الرقابة في إسرائيل، محذرين من أن تداعيات ذلك قد تكون مباشرة على العملية الانتخابية وعلى ثقة الجمهور في نزاهتها.
لماذا يمثل غياب مراقب الدولة مشكلة؟
يعد مراقب الدولة إحدى أهم المؤسسات الرقابية في إسرائيل، إذ يتولى فحص وتدقيق سياسات الحكومة وأداء مؤسسات الدولة، إلى جانب صلاحيات تتعلق بالانتخابات وتمويل الأحزاب.
وخلال الانتخابات، يراقب مراقب الدولة الجوانب المالية المتعلقة بالأحزاب والمرشحين، بما في ذلك التبرعات والنفقات والالتزام بقواعد التمويل.
كما يستطيع إصدار توجيهات بشأن إدارة الشؤون المالية للأحزاب، وتقديم آراء استشارية حول المسائل المرتبطة بتمويل النشاط السياسي، فضلًا عن تحديد ما إذا كانت بعض التبرعات المقدمة إلى الأحزاب أو المرشحين مخالفة للقانون.
ويمتد دوره كذلك إلى مراقبة بعض الجهات غير الحزبية التي تنشط خلال الحملات الانتخابية.
وبحسب المقال، فإن هذه الصلاحيات تجعل وجود مراقب الدولة مهمًا بصورة خاصة خلال موسم الانتخابات، عندما ترتفع حركة جمع الأموال والإنفاق السياسي داخل الأحزاب.
الانتخابات التمهيدية تحت المجهر
بدأت الأحزاب الإسرائيلية بالفعل الاستعداد للانتخابات المقبلة، فيما يخوض المرشحون داخل الأحزاب منافسات للحصول على مواقع مؤهلة في القوائم الانتخابية.
وتشمل هذه المرحلة جمع التبرعات، والاستعانة بالمستشارين ومديري الحملات، وتنظيم اللقاءات مع أعضاء الأحزاب.
وتخضع هذه الأنشطة لقواعد قانونية تحدد حجم التبرعات التي يمكن للمرشح الحصول عليها، وسقف الإنفاق المسموح به، إضافة إلى متطلبات تفصيلية للإبلاغ عن مصادر الأموال وأوجه استخدامها.
ويهدف هذا النظام، وفق المقال، إلى الحد من تأثير المال على المنافسة السياسية، وتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص بين المرشحين، وتعزيز ثقة الجمهور في نزاهة الانتخابات.
لكن غياب مراقب الدولة يعني أن الجهة الرئيسية المكلفة بتدقيق هذه الأنشطة ليست موجودة حاليًا على رأس المؤسسة.
مخاوف من ضعف الردع
يشير الكاتبان إلى أن مراقب الدولة اعتاد بعد كل جولة من الانتخابات التمهيدية إصدار تقارير تفصيلية حول المخالفات وأوجه القصور في تمويل الحملات.
وفي بعض الحالات، كانت المؤسسة تفرض غرامات على مرشحين تجاوزوا الحدود القانونية للإنفاق، أو قبلوا تبرعات غير مسموح بها، أو لم يقدموا التقارير المالية المطلوبة.
وكانت إمكانية تعرض المرشح للتدقيق والعقوبة تشكل عامل ردع يدفع المشاركين في المنافسة السياسية إلى الالتزام بالقواعد.
أما في ظل شغور المنصب، فيحذر المقال من احتمال أن يستغل بعض المرشحين ضعف الرقابة، وهو ما قد يؤدي إلى خلق منافسة غير متكافئة بين من يلتزم بالقانون ومن يراهن على ضعف فرص اكتشاف المخالفات.
ويؤكد الكاتبان أن المشكلة لا تتعلق فقط بوقوع المخالفة من عدمها، بل أيضًا بوجود مؤسسة رقابية قادرة على منعها وردعها.
تعطيل عمل المؤسسة الرقابية
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الانتخابات وتمويل الحملات.
فبحسب المقال، لا يمكن في الوقت الحالي نشر تقارير جديدة لمراقب الدولة، حتى تلك التي اكتملت، كما لا يمكن البدء في فحوص جديدة بشأن قضايا لم تكن مدرجة مسبقًا ضمن خطة العمل.
ويعني ذلك أن عمل المؤسسة الرقابية أصبح محدودًا إلى حين انتخاب مراقب جديد واستعادة المنصب كامل صلاحياته.
ويطرح هذا الوضع تساؤلات أوسع حول قدرة الدولة على مواصلة الرقابة على أداء مؤسساتها في مرحلة سياسية شديدة الحساسية.
تأثير الأزمة على حماية المبلغين عن الفساد
يمتلك مراقب الدولة أيضًا صلاحيات مرتبطة بمنصب أمين المظالم، ومن بينها حماية الموظفين العموميين الذين يكشفون عن مخالفات أو فساد داخل مؤسسات الدولة.
وبغياب مراقب الدولة، لا يمكن إصدار أوامر حماية جديدة للمبلغين، وفق المقال.
ويرى الكاتبان أن هذا الأمر قد يضع بعض الموظفين الذين يكشفون مخالفات أمام خطر التعرض للفصل أو الانتقام الوظيفي، في غياب إحدى الآليات القانونية المخصصة لحمايتهم.
وتكتسب حماية المبلغين أهمية خاصة في مكافحة الفساد، لأن الموظفين داخل المؤسسات الحكومية غالبًا ما يكونون من أبرز مصادر المعلومات المتعلقة بالمخالفات وسوء الإدارة.
كيف بدأت الأزمة؟
تعود الأزمة إلى عملية انتخاب مراقب الدولة السابقة، التي شهدت مخالفات دفعت المحكمة العليا إلى التدخل وإصدار قرار يقضي بإجراء تصويت جديد.
لكن، وفق المقال، لم تُستكمل الإجراءات المطلوبة لإجراء الانتخابات الجديدة، ما أدى إلى شغور المنصب منذ بداية يوليو.
ويرى الكاتبان أن استمرار الوضع رغم صدور قرار قضائي ملزم يمثل مشكلة تتجاوز الخلاف السياسي حول الشخص الذي سيتولى المنصب، لأنها تتعلق باحترام قرارات المحكمة واستمرارية عمل المؤسسات الرقابية.
الحل في تنفيذ قرار المحكمة
وبحسب الكاتبين، لا تحتاج إسرائيل إلى إنشاء آلية جديدة لمعالجة المشكلة.
فالحل، من وجهة نظرهما، يتمثل في استكمال انتخاب مراقب الدولة وفق الإجراءات القانونية وتنفيذ قرار المحكمة العليا، بما يسمح للمؤسسة بالعودة إلى ممارسة صلاحياتها كاملة.
وتزداد أهمية هذه الخطوة، وفق المقال، مع استمرار الاستعدادات للانتخابات المقبلة، وما يرافقها من منافسة داخل الأحزاب وحركة مالية متزايدة مرتبطة بالحملات الانتخابية.
أزمة في توقيت حساس
يأتي شغور منصب مراقب الدولة في وقت تتزايد فيه النقاشات داخل إسرائيل بشأن أداء المؤسسات الحكومية، واستقلال أجهزة الرقابة، والعلاقة بين السلطات المختلفة.
ويرى الباحثان أن غياب مؤسسة رقابية رئيسية خلال الانتخابات التمهيدية والحملة الانتخابية العامة يمكن أن يضعف الثقة في قدرة النظام السياسي على تطبيق قواعد المنافسة بصورة متساوية.
وتتمثل المخاوف الأساسية في أن تبقى القواعد القانونية المنظمة لتمويل الحملات قائمة، بينما تكون الجهة المكلفة بمتابعة الالتزام بها غير قادرة على أداء دورها بصورة كاملة.
وفي النظام الديمقراطي، يشدد الكاتبان على أن المسؤولين المنتخبين مطالبون باحترام أحكام القضاء، واستكمال التعيينات التي ينص عليها القانون، وضمان استمرار المؤسسات الرقابية في أداء مهامها.
وبينما تستعد إسرائيل لانتخابات الكنيست السادسة والعشرين، يبقى منصب مراقب الدولة شاغرًا، ما يجعل أزمة التعيين أكثر من مجرد خلاف إجرائي، ويضع إحدى أهم آليات الرقابة على العمل السياسي والمالي أمام اختبار مؤسساتي في توقيت بالغ الحساسية.










