طهران تعتمد هجمات متعددة الطبقات تجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي الأمريكية، وسط ضغوط متزايدة على مخزونات صواريخ باتريوت وقدرة واشنطن على مواصلة التصدي لهجمات طويلة الأمد.
طهران – المنشر_الاخباري
تواصل إيران تطوير أساليبها الهجومية في الشرق الأوسط، مستفيدة من الدروس العملياتية التي أفرزتها الحروب والصراعات الحديثة، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات متزايدة مرتبطة بكلفة عمليات الدفاع الجوي ومخزونات صواريخ الاعتراض.
وبحسب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فإن القوات الإيرانية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على هجمات مركبة تضم موجات متزامنة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز والطائرات المسيّرة، بهدف إرباك أنظمة الرصد والدفاع الجوي وإجبار القوات الأمريكية على استخدام صواريخ اعتراض مرتفعة التكلفة ضد أهداف أقل تكلفة.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن هذا الأسلوب لا يعتمد فقط على زيادة عدد المقذوفات، وإنما على تنويع سرعتها وارتفاعاتها ومساراتها، بما يجعل مهمة أنظمة الدفاع الجوي أكثر تعقيدا ويزيد احتمالات اختراق بعضها للمنظومات الدفاعية.
هجمات متعددة الطبقات
وتسعى طهران، وفقا للتحليل، إلى استغلال الفارق الكبير بين تكلفة الأسلحة الهجومية منخفضة الكلفة نسبيا وتكلفة الصواريخ الدفاعية الأمريكية.
فإطلاق طائرات مسيّرة بأعداد كبيرة إلى جانب صواريخ باليستية سريعة يمكن أن يجبر الدفاعات الأمريكية على التعامل مع عدد كبير من الأهداف في وقت واحد، الأمر الذي يرفع معدل استهلاك صواريخ الاعتراض.
ويشير التقرير إلى أن القوات الإيرانية استخدمت خلال خمسة أيام من القصف المكثف ضد قواعد في الأردن الشهر الماضي تكتيكات صممت بصورة واضحة لاختبار قدرة الدفاعات الجوية وإجبارها على إطلاق صواريخ اعتراض باهظة الثمن.
وفي 17 يوليو/تموز، تمكن أحد الصواريخ من اختراق الدفاعات المحيطة بقاعدة موفق السلطي الجوية، ما أدى، بحسب المعلومات الواردة في التقرير، إلى مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين وإصابة أكثر من 100 آخرين.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أقر بحدوث اختراق في الدفاعات، مشيرا إلى أن القوات الأمريكية أسقطت معظم الصواريخ، لكن أحدها تمكن من الوصول إلى هدفه.
استنزاف صواريخ باتريوت
ويبرز العامل الأكثر حساسية بالنسبة إلى واشنطن في حجم الذخائر الدفاعية المستخدمة للتصدي لهذه الهجمات.
ووفقا للمعطيات التي أوردها التقرير، استخدمت القوات الأمريكية نحو 50 صاروخ اعتراض من منظومة باتريوت في يوم واحد خلال تصعيد يوليو/تموز، فيما تبلغ تكلفة صاروخ الاعتراض الواحد نحو 4 ملايين دولار.
كما تشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن القوات الأمريكية أطلقت أكثر من 1500 صاروخ باتريوت خلال الصراع، في حين كانت الولايات المتحدة تنتج نحو 600 صاروخ فقط خلال عام 2025.
ويضع ذلك القوات الأمريكية أمام معادلة صعبة، إذ إن استمرار هجمات كثيفة لفترة طويلة يمكن أن يؤدي إلى زيادة الضغط على مخزونات الذخائر الدفاعية، خصوصا إذا واصلت إيران استخدام طائرات مسيّرة وصواريخ منخفضة التكلفة لإجبار واشنطن على استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن.
ومع ذلك، لا يعني ذلك بالضرورة أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على الدفاع عن قواتها أو منشآتها، إذ نفت وزارة الدفاع الأمريكية بصورة قاطعة صحة التقارير التي تتحدث عن نفاد مخزون الذخائر.
وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنل إن الادعاءات المتعلقة بنقص الذخائر الأمريكية “كاذبة”، محذرا من أن نشر مثل هذه المعلومات قد يشجع الخصوم على اتخاذ خطوات أكثر جرأة ضد القوات الأمريكية.
الاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا
أحد أبرز عناصر التطور في التكتيكات الإيرانية هو اعتمادها، بحسب التحليل، على دروس مستخلصة من العمليات العسكرية في الحرب الروسية الأوكرانية.
فقد أصبحت الهجمات المركبة التي تجمع بين طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة وصواريخ أكثر سرعة وقوة جزءا أساسيا من أساليب استنزاف الدفاعات الجوية.
وتكمن الفكرة في إجبار منظومات الرادار على متابعة عدد كبير من الأهداف المختلفة في الوقت نفسه، مع دفع المدافعين إلى اتخاذ قرارات سريعة بشأن الأهداف التي ينبغي اعتراضها أولا.
ونقل التقرير عن سيث جونز، رئيس قسم الدفاع والأمن في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن الإيرانيين يجعلون مهمة الدفاع الجوي أكثر صعوبة عندما تأتي الصواريخ والطائرات المسيّرة معا ضمن موجات هجومية متعددة.
وبحسب التقييم، فإن هذا الأسلوب يمنح المهاجم فرصة لخلق ضغط متزامن على أكثر من موقع، بدلا من التركيز على هدف عسكري واحد.
المسيّرات كأداة للاستنزاف
لا تقتصر أهمية الطائرات المسيّرة في التكتيك الإيراني على قدرتها على حمل المتفجرات أو تنفيذ الهجمات، بل يمكن استخدامها أيضا لتوفير معلومات ميدانية تساعد على توجيه موجات الهجوم.
ووفقا للتقرير، استخدمت إيران في بعض العمليات أسرابا من المسيّرات للمساعدة في تحديد الإحداثيات والسرعة والاتجاه، بما يسمح للقوات المهاجمة بتحسين توقيت الضربات واستغلال الثغرات في الدفاعات.
وتزداد أهمية هذه التكتيكات مع انتشار منظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، التي تعتمد على الرادارات والصواريخ الاعتراضية والطائرات المقاتلة وأنظمة الحرب الإلكترونية.
فكلما زاد عدد الأهداف وتنوعت خصائصها، أصبحت عملية تحديد الأولويات أكثر تعقيدا بالنسبة إلى المدافعين.
ضغط متزايد على القوات الأمريكية
ولا يقتصر التحدي الذي تواجهه واشنطن على مسألة الذخائر، وإنما يمتد إلى كيفية توزيع القوات والأنظمة الدفاعية على مساحة جغرافية واسعة.
وتنتشر القوات الأمريكية في عدد من القواعد والمواقع في الشرق الأوسط، ما يجعل حمايتها جميعا من هجمات صاروخية ومسيّرة واسعة النطاق أمرا بالغ الصعوبة.
كما أن إيران، وفقا للتحليل، لا تعتمد على منظومة عسكرية مركزية يمكن استهدافها بسهولة، إذ تنتشر منشآتها العسكرية والصاروخية في مواقع مختلفة، بما في ذلك منشآت تحت الأرض.
ويعني ذلك أن أي مواجهة طويلة قد تتحول إلى صراع استنزاف، تحاول فيه إيران زيادة كلفة الدفاع الأمريكي، في حين تسعى واشنطن إلى تعطيل قدرات طهران الهجومية قبل أن تتمكن من فرض ضغط مستدام على القوات والمنشآت الأمريكية.
انعكاسات على الحسابات الإقليمية
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف الإقليمية من اتساع نطاق المواجهة.
وقد حذرت السعودية من احتمال تعرض البنية التحتية للطاقة لهجمات إيرانية، الأمر الذي يضيف بعدا اقتصاديا إلى الحسابات العسكرية.
وتخشى دول المنطقة من أن يؤدي استمرار التصعيد إلى استهداف منشآت النفط والغاز والموانئ والمطارات وخطوط الملاحة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.
وفي هذا السياق، بدأت الحسابات الأمريكية لا تقتصر على القدرة على توجيه ضربات عسكرية إلى إيران، بل تشمل أيضا تقدير قدرة القوات الأمريكية على حماية قواعدها وحلفائها لفترة زمنية طويلة.
ويؤدي استنزاف الذخائر الدفاعية، في حال حدوثه على نطاق واسع، إلى زيادة أهمية الخيارات الدبلوماسية والبحث عن وسائل لخفض مستوى الهجمات.
معادلة التكلفة
ويبرز في المواجهة عامل اقتصادي بالغ الأهمية: تكلفة الهجوم مقابل تكلفة الدفاع.
فإذا تمكنت إيران من استخدام طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة لإجبار القوات الأمريكية على إطلاق صواريخ اعتراض بملايين الدولارات، فإن استمرار هذه العملية يمكن أن يخلق ضغوطا على المخزونات الأمريكية حتى في حال نجاح الدفاعات في إسقاط معظم الأهداف.
ولا يعني ذلك أن الصواريخ الاعتراضية غير فعالة، بل إن المشكلة تكمن في إمكانية استمرار الهجمات لفترة طويلة وبوتيرة مرتفعة.
ولهذا السبب، أصبحت القدرة على إنتاج الذخائر بسرعة، وإعادة توزيع أنظمة الدفاع، وتطوير وسائل أقل تكلفة لمواجهة الطائرات المسيّرة، عناصر أساسية في أي استراتيجية أمريكية طويلة الأمد.
واشنطن بين الرد العسكري والدبلوماسية
ويبدو أن الضغوط العسكرية المتزايدة تدفع الإدارة الأمريكية إلى موازنة خياراتها بين مواصلة العمليات العسكرية وفتح مسارات دبلوماسية.
وتزداد صعوبة القرار في ظل وجود مخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى توسيع نطاق الهجمات ضد القواعد الأمريكية أو المنشآت الحيوية في دول الخليج.
وفي المقابل، فإن التراجع العسكري دون تحقيق أهداف واشنطن قد يمنح إيران فرصة لإعادة تنظيم قدراتها الصاروخية والمسيّرة وتعزيز مواقعها الإقليمية.
وتصبح المعادلة أكثر تعقيدا مع استمرار امتلاك طهران لقدرات على إطلاق موجات صاروخية ومسيّرة من مواقع مختلفة، الأمر الذي يجعل القضاء الكامل على هذه القدرات مهمة صعبة للغاية.
مرحلة جديدة من حرب الاستنزاف
وتشير التطورات إلى أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة تدخل مرحلة تعتمد بدرجة أكبر على استنزاف القدرات الدفاعية والهجومية بدلا من مجرد تبادل الضربات التقليدية.
فإيران تحاول رفع تكلفة الدفاع الأمريكي عبر تكتيكات تعتمد على الكثافة والتنوع، بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على مخزونها من الذخائر الاستراتيجية وحماية قواتها وقواعدها وحلفائها.
وفي الوقت نفسه، يراقب الحلفاء والخصوم هذه المعادلة عن كثب، خصوصا أن أي ضعف واضح في الدفاعات الأمريكية قد يؤثر في حسابات دول المنطقة بشأن مستوى الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.
ومن المرجح أن تصبح الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والصواريخ الباليستية، وأنظمة الحرب الإلكترونية، إلى جانب وسائل اعتراض أرخص، عناصر رئيسية في شكل المواجهات المقبلة.
وفي النهاية، فإن التحدي الذي تواجهه الولايات المتحدة لا يتعلق فقط بعدد الصواريخ الموجودة في المخازن، وإنما بقدرتها على الحفاظ على منظومة دفاعية مستدامة أمام خصم يملك القدرة على تغيير تكتيكاته بسرعة واستخدام مزيج من الأسلحة المختلفة لإرباك أنظمة الدفاع.
وبينما تؤكد واشنطن أن الحديث عن نقص حاد في الذخائر مبالغ فيه، فإن حجم الاستهلاك وتطور التكتيكات الإيرانية يفرضان على البنتاغون إعادة تقييم كيفية إدارة الدفاع الجوي في الشرق الأوسط، خصوصا إذا تحولت المواجهة إلى صراع طويل الأمد.










