البيت الأبيض يتهم أكثر من 40 دولة بتسهيل التفاف السلع الصينية على الرسوم الأمريكية، ويقدّر حجم التجارة المشبوهة بعشرات المليارات.. وواشنطن تستعد لملاحقة مسارات الشحن باستخدام نظام ذكاء اصطناعي جديد
واشنطن- المنشر_الاخباري
فتحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جبهة جديدة في الحرب التجارية مع الصين، بعدما اتهم البيت الأبيض أكثر من 40 دولة ومنطقة، بينها كندا واليابان والمكسيك والاتحاد الأوروبي، بالمساعدة في تمرير سلع صينية إلى السوق الأمريكية عبر دول ثالثة بهدف تفادي الرسوم الجمركية المفروضة على المنتجات الصينية.
وتقول واشنطن إن ما تصفه بـ«إعادة الشحن غير القانونية» أصبح شبكة تجارية واسعة تستغل الفوارق بين الرسوم الجمركية المطبقة على الصين وتلك المفروضة على دول أخرى. ووفق تقرير للبيت الأبيض، قد تصل قيمة السلع التي تمر عبر هذه القنوات إلى نحو 60 مليار دولار، مع تقديرات بخسائر سنوية في الإيرادات الجمركية الأمريكية تتراوح بين 19 و26 مليار دولار.
وتتمثل الآلية، بحسب الاتهامات الأمريكية، في إعادة توجيه البضائع الصينية إلى دولة ثالثة قبل وصولها إلى الولايات المتحدة، مع إجراء تغييرات محدودة مثل إعادة التغليف أو وضع ملصقات جديدة أو عمليات تجميع وتشطيب بسيطة، بما يسمح بإظهار الدولة الثالثة باعتبارها بلد المنشأ. كما تتحدث واشنطن عن استخدام مستندات وفواتير وبيانات منشأ مضللة لإخفاء الأصل الصيني الحقيقي للمنتجات.
من الرسوم إلى «مطاردة» طرق التجارة
وتعكس الخطوة تحولًا مهمًا في استراتيجية واشنطن. فبدلًا من التركيز على فرض رسوم إضافية على الصين وحدها، تسعى الإدارة الأمريكية إلى استهداف ما تعتبره شبكة الوسطاء والمسارات التي تسمح للبضائع الصينية بدخول السوق الأمريكية بتكلفة جمركية أقل.
وهذا يعني أن الموانئ وشركات الشحن والمستوردين وسلاسل الإمداد العالمية قد تصبح جزءًا مباشرًا من المعركة التجارية بين واشنطن وبكين.
ويرى البيت الأبيض أن الإجراءات الحالية أضعفت جزءًا من فعالية الرسوم الأمريكية، لأن انخفاض الواردات المباشرة من الصين لا يعني بالضرورة اختفاء المنتجات الصينية من السوق الأمريكية؛ فقد تنتقل البضائع عبر دول أخرى قبل دخولها الولايات المتحدة.
الذكاء الاصطناعي يدخل الحرب التجارية
ولمواجهة هذه الممارسات، تتجه الولايات المتحدة إلى استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي ضمن نظام جمركي أطلق عليه اسم «Detective Border».
ويهدف النظام إلى تحليل كميات ضخمة من بيانات التجارة والشحن، والبحث عن أنماط غير اعتيادية يمكن أن تشير إلى محاولة لإخفاء منشأ المنتجات أو الالتفاف على الرسوم. ومن بين المؤشرات التي يمكن تحليلها مسارات الشحن، وبيانات المنشأ، ومكونات المنتجات، وحجم التجارة بين الدول مقارنة بالقدرات الإنتاجية المعلنة.
وتراهن واشنطن على أن استخدام الذكاء الاصطناعي سيمنح سلطات الجمارك قدرة أكبر على رصد الشحنات المشبوهة قبل دخولها السوق الأمريكية، بدل الاعتماد فقط على عمليات التدقيق التقليدية التي قد تأتي بعد وصول البضائع.
ضغط جديد على كندا والمكسيك وأوروبا واليابان
لكن الاتهامات الأمريكية تضع واشنطن أيضًا أمام اختبار دبلوماسي مع حلفائها.
فكندا والمكسيك واليابان والاتحاد الأوروبي ليست مجرد دول عبور تجاري، بل شركاء اقتصاديون وأمنيون رئيسيون للولايات المتحدة. ولذلك فإن اتهامها بتسهيل الالتفاف على الرسوم الصينية قد يخلق توترات جديدة حول قواعد المنشأ والتجارة عبر الحدود.
والاتحاد الأوروبي، من جانبه، أكد التزامه بمكافحة الاحتيال الجمركي، لكنه رفض تصويره على أنه يسهّل بصورة منهجية عمليات إعادة الشحن غير القانونية.
وهنا تظهر معضلة أساسية: كيف تستطيع واشنطن تشديد الرقابة على السلع الصينية من دون تعطيل سلاسل الإمداد المشروعة التي تعتمد على التجارة عبر دول متعددة؟
الصين في قلب المواجهة
بالنسبة إلى بكين، تمثل هذه الخطوة مرحلة جديدة من الضغط التجاري الأمريكي. فالصين لا تواجه فقط رسومًا على صادراتها المباشرة إلى الولايات المتحدة، بل أصبحت شبكات تجارتها العالمية نفسها تحت التدقيق الأمريكي.
وتشير الاتهامات الأمريكية إلى أن هذه الأساليب تصاعدت منذ عام 2018، عندما بدأت واشنطن فرض رسوم واسعة على منتجات صينية. ومع ارتفاع الرسوم، أصبحت هناك حوافز اقتصادية أكبر للبحث عن طرق بديلة للوصول إلى السوق الأمريكية.
لكن حجم المشكلة محل نقاش أيضًا. فقد أورد التقرير الأمريكي تقديرات مختلفة لحجم عمليات إعادة الشحن، تتراوح في بعض السيناريوهات بين عشرات المليارات ومئات المليارات من الدولارات، ما يعني أن الرقم النهائي يعتمد بدرجة كبيرة على تعريف التجارة غير المشروعة والافتراضات المستخدمة في الحساب.
حرب تجارية تتحول إلى حرب بيانات
الأكثر أهمية في الخطوة الأمريكية هو أنها تكشف عن تحول الحرب التجارية إلى معركة تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والتكنولوجيا.
ففي السابق كان السؤال الأساسي: ما قيمة الرسوم المفروضة على السلعة الصينية؟
أما الآن فأصبح السؤال: من أين جاءت السلعة فعلًا؟ وأين تم تصنيع مكوناتها؟ وما المسار الذي سلكته قبل دخولها الولايات المتحدة؟
وهذا يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تصبح فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من تنفيذ السياسة التجارية الأمريكية.
وبالنسبة إلى الشركات العالمية، قد يعني ذلك ضرورة تقديم معلومات أكثر تفصيلًا حول منشأ المنتجات وسلاسل التوريد، مع ارتفاع مخاطر التدقيق والعقوبات إذا اعتبرت السلطات الأمريكية أن تغيير مسار الشحنة أو إعادة تصنيفها محاولة للتهرب من الرسوم.
في النهاية، لا تبدو واشنطن مستعدة للتراجع عن معركتها مع الصين، لكنها توسع نطاقها من الصين نفسها إلى الشبكة التجارية التي تحيط بها. وإذا نجحت الولايات المتحدة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد مسارات التجارة المشبوهة، فقد تتحول الجمارك إلى واحدة من أهم ساحات الصراع الاقتصادي بين أكبر قوتين تجاريتين في العالم.








