طوكيو- المنشر_الاخباري
تستعد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واليابان لإجراء جولة جديدة من المناورات العسكرية الثلاثية تحت اسم «فريدوم إيدج»، خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر/أيلول المقبل، في المياه الدولية جنوب شرقي جزيرة جيجو، في خطوة تعكس استمرار التنسيق الأمني بين الدول الثلاث في مواجهة البرنامجين النووي والصاروخي لكوريا الشمالية.
وتأتي المناورات في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى شبه الجزيرة الكورية، إذ تتزامن مع مساعٍ أمريكية لإعادة فتح قنوات الحوار مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، بينما تواصل بيونغ يانغ تطوير قدراتها العسكرية وتعلن رفضها العودة إلى مفاوضات يكون التخلي عن السلاح النووي شرطاً مسبقاً لها.
ووفقاً للسلطات العسكرية في كوريا الجنوبية، فإن «فريدوم إيدج» هي تدريبات دفاعية متعددة المجالات تهدف إلى تعزيز القدرة المشتركة للدول الثلاث على التعامل مع التهديدات الصاروخية والنووية لكوريا الشمالية، إضافة إلى تحسين التنسيق وتبادل المعلومات والاستجابة السريعة للأزمات في المنطقة.
ومن المنتظر أن تتضمن المناورات تدريبات بحرية وجوية، إلى جانب تدريبات مرتبطة بالدفاع ضد الصواريخ الباليستية والحرب المضادة للغواصات والاستطلاع والمراقبة. وتمثل هذه التدريبات تطوراً في مستوى التعاون العسكري بين واشنطن وسيول وطوكيو، بعدما اتفقت الدول الثلاث خلال السنوات الأخيرة على تعزيز آليات التنسيق الأمني في مواجهة المخاطر الإقليمية.
توقيت حساس بعد تقليص المناورات الأمريكية الكورية
ويزداد الاهتمام بالمناورات الجديدة بسبب قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقليص حجم المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية المعروفة باسم «أولتشي فريدوم شيلد»، في خطوة قالت واشنطن إنها تأتي ضمن توجه أوسع لتقليل الاستفزازات وتهيئة الظروف أمام إمكانية استئناف الحوار مع بيونغ يانغ.
وكان من المقرر أن تستمر المناورات الثنائية حتى 27 أغسطس/آب، لكنها انتهت في 21 أغسطس بعد قرار تقليصها، فيما أشارت تقارير إلى أن ترامب كان ينظر إلى التدريبات العسكرية باعتبارها رسالة قد تزيد التوتر مع كيم جونغ أون.
غير أن تقليص المناورات الأمريكية الكورية لم يمنع استمرار التعاون الثلاثي. ويكشف ذلك عن محاولة واشنطن تحقيق توازن بين مسارين متوازيين: الأول سياسي، يقوم على إبقاء الباب مفتوحاً أمام التواصل مع كوريا الشمالية، والثاني عسكري، يهدف إلى الحفاظ على جاهزية القوات الأمريكية وحلفائها في شرق آسيا.
بيونغ يانغ ترد بالصواريخ
ولم تتعامل كوريا الشمالية مع تقليص المناورات السابقة باعتباره خطوة كافية لخفض التوتر. ففي أعقاب انتهاء تدريبات «أولتشي فريدوم شيلد»، أطلقت بيونغ يانغ نحو عشرة صواريخ باليستية قصيرة المدى باتجاه البحر، في رسالة عسكرية جاءت وسط تصاعد الحديث عن إمكانية استئناف الاتصالات بين واشنطن وبيونغ يانغ.
وتنظر كوريا الشمالية إلى التدريبات العسكرية الأمريكية والكورية الجنوبية واليابانية باعتبارها جزءاً من استعدادات محتملة لعمل عسكري ضدها، بينما تؤكد واشنطن وسيول وطوكيو أن هذه التدريبات ذات طبيعة دفاعية وتهدف إلى الردع وحماية أمن المنطقة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن بيونغ يانغ لا تزال تستخدم التجارب الصاروخية كأداة للضغط السياسي والعسكري، خصوصاً في ظل رفضها التخلي عن قدراتها النووية قبل الدخول في أي مفاوضات جديدة.
خلاف جوهري حول الملف النووي
وتبقى قضية نزع السلاح النووي العقبة الرئيسية أمام أي مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية. فبينما تسعى واشنطن إلى إبقاء هدف نزع السلاح النووي ضمن أي تسوية مستقبلية، ترفض بيونغ يانغ التعامل مع التخلي عن ترسانتها النووية باعتباره شرطاً مسبقاً لاستئناف الحوار.
وتزداد صعوبة الموقف مع استمرار كوريا الشمالية في تطوير منظوماتها الصاروخية وتعزيز قدراتها العسكرية، بالتزامن مع توسيع تعاونها الدفاعي مع روسيا، وهو ما يزيد المخاوف في سيول وطوكيو من تغير البيئة الأمنية في شرق آسيا.
وفي المقابل، تحاول كوريا الجنوبية دعم المساعي الأمريكية الرامية إلى إعادة إطلاق الحوار، لكنها تؤكد في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على مستوى مرتفع من الجاهزية العسكرية وعدم السماح لأي تفاهم بين واشنطن وبيونغ يانغ بأن يأتي على حساب أمنها أو دورها في أي مفاوضات مستقبلية.
تحالف ثلاثي في مواجهة تهديد متصاعد
وتكتسب «فريدوم إيدج» أهمية إضافية لأنها لا تقتصر على التحالف التقليدي بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، بل تجمع اليابان أيضاً في إطار عسكري ثلاثي. وتهدف التدريبات إلى تطوير قدرة الدول الثلاث على العمل بشكل متزامن في مجالات مثل الدفاع الصاروخي والمراقبة البحرية والجوية ومكافحة الغواصات.
وكانت تدريبات «فريدوم إيدج» قد انطلقت بصيغتها الحالية في عام 2024، لتطوير مستوى التعاون العسكري الثلاثي وتعزيز القدرة على التعامل مع التهديدات الصاروخية والنووية القادمة من كوريا الشمالية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذه المناورات رغم تقليص التدريبات الأمريكية الكورية يمثل رسالة مزدوجة إلى بيونغ يانغ: واشنطن مستعدة لتقديم بعض الإشارات السياسية التي قد تساعد في فتح باب الحوار، لكنها في الوقت ذاته لا تنوي التخلي عن منظومة الردع الإقليمية أو عن التعاون العسكري مع حلفائها.
معادلة صعبة بين الردع والحوار
وتضع التطورات الأخيرة إدارة ترامب أمام معادلة شديدة التعقيد. فخفض المناورات قد يساعد على خلق أجواء أكثر ملاءمة للتفاوض مع كيم جونغ أون، لكنه قد يثير في المقابل مخاوف لدى كوريا الجنوبية واليابان بشأن مستوى الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة.
وفي الوقت نفسه، فإن استمرار المناورات الثلاثية قد يدفع بيونغ يانغ إلى مزيد من الاختبارات الصاروخية أو التصعيد السياسي، خصوصاً إذا اعتبرت أن التدريبات تتعارض مع الدعوات الأمريكية للحوار.
ومن هنا، تبدو شبه الجزيرة الكورية أمام مرحلة تجمع بين الردع العسكري ومحاولات التهدئة الدبلوماسية في آن واحد. فبينما تستعد واشنطن وسيول وطوكيو لمناورات «فريدوم إيدج» في سبتمبر، تواصل بيونغ يانغ تطوير قدراتها العسكرية والتأكيد على موقفها الرافض لنزع السلاح النووي كشرط مسبق للحوار.
وقد تكون الأسابيع المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأطراف على منع التدريبات العسكرية والتجارب الصاروخية من التحول إلى دائرة جديدة من التصعيد، خصوصاً في ظل رغبة واشنطن في استئناف التواصل مع كوريا الشمالية، وتمسك سيول وطوكيو بالحفاظ على الردع المشترك.











