بروكسل- المنشر_الاخباري
تجري بولندا محادثات مع الولايات المتحدة بشأن إنشاء عدة قواعد عسكرية أمريكية دائمة على أراضيها، في خطوة تهدف إلى تثبيت الوجود العسكري الأمريكي في البلاد على المدى الطويل، بالتزامن مع مراجعة واشنطن لمستويات انتشار قواتها في أوروبا.
وقال نائب وزير الدفاع البولندي بافل زاليفسكي إن وارسو تجري محادثات مع الجانب الأمريكي بشأن إقامة عدة منشآت عسكرية دائمة، مؤكدًا أن بلاده مهتمة بتعزيز الوجود الأمريكي وليس فقط بالحفاظ على القوات الموجودة حاليًا بصورة دورية.
وتستضيف بولندا حاليًا نحو 10 آلاف جندي أمريكي، إلا أن جزءًا كبيرًا من هذا الانتشار يعتمد على القوات المتناوبة والمنشورة لفترات محددة. وتسعى وارسو إلى تحويل جزء من هذا الوجود إلى انتشار دائم، إلى جانب تعزيز قدرات الاستطلاع والقيادة والسيطرة، بما يرفع من جاهزية القوات الموجودة على الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي.
وتأتي المفاوضات في توقيت حساس بالنسبة إلى مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، إذ تجري إدارة الرئيس دونالد ترامب مراجعة شاملة لانتشار القوات الأمريكية في القارة. وأطلقت واشنطن في يونيو/حزيران مراجعة تمتد ستة أشهر، بهدف تقييم حجم القوات ومواقع انتشارها ودور الحلفاء الأوروبيين في تحمل مسؤولية الدفاع التقليدي عن القارة. ومن المتوقع أن تُرفع خيارات متعددة إلى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث قبل الموعد النهائي للمراجعة في ديسمبر/كانون الأول.
وتحاول بولندا من خلال توسيع الوجود الأمريكي على أراضيها ضمان استمرار الدور الأمريكي في أمن أوروبا الشرقية، خصوصًا في ظل المخاوف الأمنية المرتبطة بروسيا وموقع بولندا الجغرافي على الجناح الشرقي للناتو.
وتحظى بولندا بأهمية استراتيجية خاصة بالنسبة إلى الحلف، إذ تقع بالقرب من روسيا وبيلاروسيا، كما تشكل نقطة رئيسية لوجستيًا وعسكريًا في شرق أوروبا. ولذلك ترى وارسو أن وجود قوات أمريكية بصورة دائمة يمكن أن يشكل عنصر ردع إضافيًا ويعزز قدرة الناتو على الاستجابة السريعة لأي أزمة أمنية في المنطقة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أشار في وقت سابق من العام إلى إمكانية إرسال نحو 5 آلاف جندي أمريكي إضافي بصورة دائمة إلى بولندا، وهو ما اعتبرته الحكومة البولندية أساسًا يمكن البناء عليه لتوسيع التعاون العسكري بين البلدين.
ولا تقتصر مطالب بولندا على زيادة أعداد الجنود، إذ تسعى أيضًا إلى الحصول على قدرات متقدمة في مجالات الاستطلاع والمراقبة والقيادة والسيطرة، بما يسمح بتحسين التنسيق بين القوات البولندية والأمريكية وقوات الحلفاء المنتشرة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، أوضحت وارسو موقفها من مسألة الأسلحة النووية بشكل صريح، مؤكدة أنها لا تريد استضافة رؤوس نووية أمريكية على أراضيها. وقال زاليفسكي إن بولندا تريد المشاركة في منظومة الردع النووي لحلف الناتو، لكن ذلك لا يعني نشر أسلحة نووية أمريكية داخل الأراضي البولندية.
ويعكس هذا الموقف محاولة بولندية للجمع بين تعزيز المظلة الأمنية التي يوفرها الناتو والولايات المتحدة وبين تجنب خطوة قد تؤدي إلى تصعيد إضافي مع روسيا أو تجعل الأراضي البولندية هدفًا مباشرًا في أي مواجهة مستقبلية.
وتتزامن التحركات البولندية مع نقاش أوسع داخل الناتو بشأن مستقبل الدور الأمريكي في أوروبا. فقد شدد مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية خلال اجتماعات الحلف الأخيرة على ضرورة أن تتحمل الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن الدفاع التقليدي للقارة، في حين تحتفظ الولايات المتحدة بدور أساسي في مجالات الدعم والقدرات الاستراتيجية والردع النووي.
وبالنسبة إلى بولندا، فإن تثبيت الوجود العسكري الأمريكي قد يمثل ضمانة استراتيجية في مواجهة أي تغييرات محتملة في السياسة الدفاعية الأمريكية. فبينما تدرس واشنطن إعادة توزيع قواتها في أوروبا، تحاول وارسو تأمين موقعها كواحدة من أهم مراكز الوجود العسكري الأمريكي في القارة.
ويأتي ذلك بعد سنوات من سعي بولندا إلى استضافة قاعدة أمريكية دائمة. وكانت وارسو قد طرحت الفكرة بصورة بارزة منذ عام 2018، قبل أن يتطور التعاون العسكري تدريجيًا من خلال زيادة أعداد القوات الأمريكية وإنشاء منشآت ومراكز قيادة مشتركة. وفي يونيو/حزيران 2026، حصلت بولندا على موافقة أمريكية لبدء مفاوضات تفصيلية بشأن قاعدة عسكرية أمريكية دائمة.
وتشير التطورات الحالية إلى أن المشروع بات أكثر ارتباطًا بالمراجعة الأمريكية الشاملة للانتشار العسكري في أوروبا، ما يجعل المفاوضات بين واشنطن ووارسو ذات أهمية تتجاوز مجرد إنشاء قواعد جديدة.
وفي حال التوصل إلى اتفاق، فإن إقامة عدة قواعد أمريكية دائمة في بولندا يمكن أن تعزز موقع البلاد باعتبارها مركزًا رئيسيًا للقوات الأمريكية والناتو في شرق أوروبا، كما قد تمنح وارسو نفوذًا أكبر داخل التحالف في ظل إعادة صياغة الأدوار الدفاعية بين الولايات المتحدة وأوروبا.
ومع ذلك، يبقى حجم الوجود الأمريكي النهائي وشكل القواعد الجديدة وعدد القوات التي ستتمركز فيها مرتبطًا بنتائج مراجعة واشنطن للانتشار العسكري في أوروبا، وبالمفاوضات الجارية بين البلدين.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى دفع حلفائها الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عن الدفاع التقليدي للقارة، ترى بولندا أن تعزيز الشراكة العسكرية مع واشنطن يمثل عنصرًا أساسيًا في أمنها القومي. ومن هنا، تبدو المفاوضات بشأن القواعد الأمريكية الدائمة جزءًا من إعادة رسم أوسع للخريطة العسكرية للناتو في أوروبا، في وقت تتجه فيه القارة إلى مرحلة جديدة من الاعتماد المتبادل بين القدرات الأوروبية والضمانات الأمريكية.










