مهد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، كيفن وارش، لاجتماع البنك المركزي المرتقب في شهر سبتمبر، ليكون محطة حاسمة وفاصلة في معركته المستمرة لكبح جماح التضخم.
وجاء ذلك بعدما حذر وارش بصراحة من أن ضغوط الأسعار المحلية لم تتباطأ بالقدر الكافي، في إشارة قوية اعتبرها اقتصاديون ومستثمرون تمهيدا واضحا للاتجاه نحو رفع أسعار الفائدة إذا ظل التضخم أعلى بكثير من النسبة المستهدفة للبنك البالغ قدرها 2%، وفقا لما أوردته وكالة “بلومبيرغ”.
ومن المقرر أن يعقد مسؤولو الفيدرالي اجتماعهم الدوري يومي 15 و16 سبتمبر، وسط ارتفاع ملحوظ في توقعات الأسواق والشارع المالي لاحتمال إقرار زيادة جديدة في الفائدة.
ونتيجة لتصريحات وارش، قفزت الاحتمالات الضمنية لرفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر إلى أكثر من 50%، مقارنة بنحو 35% فقط قبل إلقائه لخطابه في المؤتمر السنوي للبنك بمدينة جاكسون هول في ولاية وايومنغ.
تقرير التضخم المرتقب وحسم القرار النقدي
على الرغم من اللهجة الحادة للخطاب، لم يعلن وارش أن رفع الفائدة أصبح أمرا مؤكدا تماما؛ إذ لا يزال قطاع من مسؤولي الفيدرالي يرى ضرورة التروي وانتظار صدور البيانات الاقتصادية الجديدة قبل اتخاذ أي خطوة نهائية.
وفي هذا السياق، سيمثل تقرير مؤشر أسعار المستهلك الأمريكي لشهر أغسطس، والمقرر صدوره رسميا في 11 سبتمبر، عاملا حاسما وفاصلا؛ إذ قد يؤدي أي تباطؤ مفاجئ في معدلات التضخم إلى تقليص الضغوط نحو التشديد النقدي، بينما سيؤدي أي ارتفاع جديد إلى ترجيح كفة رفع الفائدة بقوة.
وأوضح وارش أن المعيار الأساسي للاحتياطي الفيدرالي يتمثل في التأكد من أن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدف البنك “بوضوح وبسرعة كافية”، مضيفا بحسم أنه في حال عدم تحقق ذلك “فعلينا القيام بمجهود إضافي”.
الأسواق تتأهب والتداعيات السياسية لقرارات الفيدرالي
فسر المستثمرون والمحللون الماليون تصريحات رئيس الفيدرالي باعتبارها ميلا نحو سياسة نقدية أكثر تشددا، رغم تباين الآراء بشأن التوقيت الدقيق للتحرك. فقد رجح محللون في بنكي “باركليز” و”سوسيتيه جنرال” أن يقرر البنك زيادة الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية في اجتماع سبتمبر، تليها زيادة ثانية مرتقبة في ديسمبر، وهو ما دفع بنك “إيفركور آي إس آي” أيضا لتعديل توقعاته السابقة.
ولا تقتصر معركة سبتمبر على الأرقام الاقتصادية البحتة، بل تحمل أبعادا سياسية بالغة الأهمية، خصوصا وأن أي خطوة لرفع الفائدة قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر ستثير حساسية مفرطة، في ظل مطالبة الرئيس دونالد ترامب المستمرة بضرورة خفض تكاليف الاقتراض وانتقاداته المتكررة للسياسات النقدية السابقة.
وترى كبيرة الاقتصاديين في “وولف ريسيرش”، ستيفاني روث، أن الخطاب قدم مبررا قويا للتحرك، رغم بقاء الاحتمالات محيطة بالقرار نظرا لطبيعة الحسابات السياسية للبنك.
رؤية وارش للاقتصاد والسياسة النقدية
وفي سياق متصل، تجاوز خطاب وارش حدود اجتماع سبتمبر؛ حيث سعى إلى توضيح رؤيته الشاملة للاقتصاد والسياسة النقدية، وتصحيح بعض الانطباعات التي أثارها ظهوره الإعلامي في يوليو.
وأكد مجددا التزام الفيدرالي بإعادة التضخم إلى مستوى 2%، موضحا أن الهدف ثابت ومحدد وفق مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، في محاولة لتهدئة المخاوف التي أثارها سابقا بشأن إمكانية تغيير هدف التضخم.
وفي المقابل، دافع وارش عن موقفه الرافض لتقديم إشارات مسبقة ودقيقة بشأن المسار القريب لأسعار الفائدة، معتبرا أن التوجيه المستقبلي قد يكون مفيدا أثناء الأزمات الحادة، لكنه قد يكون مضللا للأسر والشركات في الظروف العادية، مؤكدا أن الأسواق يجب أن تكون قادرة على تكوين رؤيتها الخاصة تجاه الاقتصاد.










