غزة – المنشر_الاخباري
في غزة، لم يعد الركام مجرد أنقاض تنتظر الإزالة، بل تحول إلى ملف بالغ الحساسية يلامس مصير آلاف الضحايا والمفقودين، وسط اتهامات بأن عمليات إزالة الأنقاض وتسوية الطرق تجري بطريقة قد تؤدي إلى فقدان أدلة مرتبطة بالحرب.
الجدل تصاعد بعد تصريحات للباحث والكاتب السياسي الفلسطيني محمد شحادة، الذي قال إن ما يُعرف بـ«مجلس السلام» الذي تقوده الولايات المتحدة يمول عمليات لإزالة الركام من مناطق في قطاع غزة، زاعمًا أن بعض الأنقاض قد تكون مختلطة برفات ضحايا.
وبحسب شحادة، فإن الأموال المستخدمة في هذه العمليات تأتي من مخصصات يفترض أن تكون موجهة إلى إعادة إعمار غزة، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات حادة بشأن كيفية إدارة أموال الإعمار، والأولويات التي يجري اعتمادها على الأرض.
الأخطر في الرواية أن عمليات إزالة الركام، وفق هذه الاتهامات، قد تتم قبل الانتهاء من عمليات البحث عن المفقودين وتوثيق المواقع التي يمكن أن تحتوي على رفات بشرية أو أدلة مرتبطة بالمعارك والقصف.
وهنا تظهر واحدة من أكثر القضايا الإنسانية تعقيدًا في مرحلة ما بعد الحرب: ماذا يحدث لمن لا يزالون تحت الأنقاض؟
فبالنسبة إلى عائلات كثيرة، لا يمثل الركام مجرد مبانٍ مدمرة، بل قد يكون المكان الأخير الذي توجد فيه آثار أحبائهم الذين فقدوا خلال الحرب. وأي إزالة غير موثقة للأنقاض قد تجعل الوصول إلى تلك الآثار أكثر صعوبة، بحسب المخاوف التي يطرحها منتقدو هذه العمليات.
ويقول شحادة إن وثيقة مناقصة صدرت عن «مجلس السلام» في مايو/أيار 2026 تضمنت أعمالًا تتعلق بـ«التسوية والدمك» داخل غزة، معتبرًا أن هذه الوثائق توفر مؤشرًا على طبيعة المشاريع التي يجري تنفيذها في القطاع.
كما أشار إلى أعمال تقوم بها شركات إسرائيلية باستخدام معدات ثقيلة لمعالجة الركام، متحدثًا عن عمليات مرتبطة بإنشاء طرق في مناطق مختلفة، من بينها محيط إيرز.
لكن هذه الاتهامات تظل بحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف يحدد بدقة ما إذا كانت عمليات إزالة الركام تتضمن بالفعل مواد أو رفات بشرية، وما الإجراءات المتبعة لحماية الأدلة ومواقع الضحايا قبل نقل الأنقاض.
القضية لا تتوقف عند الركام.
فغزة تواجه دمارًا هائلًا طال الأحياء السكنية والبنية التحتية والخدمات الأساسية، في وقت تطرح فيه القوى الدولية والإقليمية خططًا لإعادة تشكيل القطاع وإدارته بعد الحرب.
وبينما يفترض أن تكون إعادة الإعمار موجهة إلى إعادة الحياة للسكان، يثير منتقدون سؤالًا مختلفًا: هل يجري التعامل مع الأرض باعتبارها مساحة لإعادة البناء فقط، أم أن هناك أيضًا سباقًا لإعادة تشكيل الواقع الميداني قبل حسم ملفات الضحايا والمفقودين؟
وتزداد حساسية المشهد مع استمرار الحديث عن ترتيبات أمنية وسياسية جديدة في غزة، وعن مناطق تخضع لسيطرة عسكرية إسرائيلية وأخرى يجري العمل على إعادة تنظيمها.
وفي هذا السياق، تصبح إزالة الركام عملية ذات أبعاد تتجاوز الجانب الهندسي؛ فهي قد تحدد ما الذي سيبقى من ذاكرة الحرب، وما الذي سيختفي تحت الطرق الجديدة والمشروعات المستقبلية.
ويرى حقوقيون أن أي خطة لإعادة إعمار القطاع يجب أن تضع ملف المفقودين والرفات البشرية والأدلة في مقدمة أولوياتها، إلى جانب إعادة تشغيل المستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي وتأمين المساكن للناجين.
كما أن أي عمليات واسعة لإزالة الأنقاض تحتاج، وفق هذا المنظور، إلى آليات توثيق ومراقبة مستقلة تضمن عدم اختفاء مواقع قد تكون ذات أهمية في التحقيقات المتعلقة بالحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن وصف عمليات إزالة الركام بأنها محاولة متعمدة لـ«طمس أدلة الإبادة الجماعية» هو اتهام خطير لا يمكن حسمه بالتصريحات وحدها، بل يحتاج إلى تحقيقات ميدانية وأدلة موثقة وتدقيق مستقل في العقود ومصادر التمويل وطريقة تنفيذ الأعمال.
لكن المؤكد أن المعركة على ركام غزة أصبحت جزءًا من معركة أكبر على مستقبل القطاع نفسه.
فمن يملك قرار إزالة الركام؟ ومن يحدد ما يجب الحفاظ عليه؟ ومن يتولى البحث عن المفقودين؟ ومن يراقب أموال إعادة الإعمار؟ وهل ستتم إعادة بناء غزة فوق أنقاض موثقة ومحفوظة، أم أن عجلة الإعمار قد تسبق كشف مصير آلاف الضحايا؟
أسئلة ثقيلة تفرض نفسها مع بدء الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، فيما يبقى الركام شاهدًا على واحدة من أكثر الحروب دموية ودمارًا في تاريخ القطاع.
غزة لا تحتاج إلى إزالة الركام فقط.. بل تحتاج أولًا إلى كشف ما يخفيه الركام.










