موسكو- المنشر_الاخباري
في تصريح جديد يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن مستقبل الحرب الروسية الأوكرانية، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الاثنين، أن روسيا تتجه نحو إنهاء الصراع في أوكرانيا، في رسالة سياسية لافتة جاءت في الوقت الذي تشهد فيه الجبهات تصعيدًا مستمرًا وهجمات جوية مكثفة على العاصمة كييف ومناطق أخرى.
وجاء حديث بوتين خلال لقائه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، حيث تناول اللقاء العلاقات بين البلدين إلى جانب عدد من الملفات الدولية، وفي مقدمتها الحرب الأوكرانية.
وقال بوتين إن موسكو تتجه نحو إنهاء الصراع الأوكراني، في إشارة جديدة من القيادة الروسية إلى أن الحرب، التي دخلت عامها الخامس، قد تكون أمام مرحلة سياسية مختلفة. إلا أن التصريح لم يتضمن تفاصيل حول الخطوات التي تعتزم روسيا اتخاذها للوصول إلى هذه النتيجة، كما لم يكشف عن موعد محدد يمكن أن تتوقف فيه العمليات العسكرية.
ويكتسب التصريح أهمية أكبر بسبب التوقيت، إذ يأتي في وقت تتواصل فيه الضربات الروسية بالطائرات المسيّرة على أوكرانيا بوتيرة مرتفعة، ما يجعل الحديث عن إنهاء الصراع متزامنًا مع تصعيد عسكري واضح على الأرض.
مودي يضغط باتجاه إنهاء الحرب
وخلال اللقاء، دعا رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بوتين إلى إنهاء الحرب، مؤكدًا أن الصراع طال أكثر من اللازم وأن العالم بحاجة إلى الانتقال من الحرب إلى مسار التسوية.
وأكد مودي موقف الهند الداعم لجهود السلام، مشيرًا إلى أن استمرار الحرب لا ينعكس على روسيا وأوكرانيا وحدهما، وإنما يترك تداعيات أوسع على الاقتصاد والأمن والاستقرار العالمي.
وتحافظ الهند على علاقات استراتيجية واقتصادية قوية مع روسيا، في الوقت الذي تحاول فيه نيودلهي الحفاظ على موقف متوازن تجاه الحرب، وعدم الانضمام إلى العقوبات الغربية المفروضة على موسكو.
ويمنح هذا الدور الهندي أهمية خاصة لأي رسائل سياسية تصدر خلال لقاءات مودي وبوتين، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمستقبل الحرب وفرص الوصول إلى تسوية.
تصريحات بوتين أمام اختبار الميدان
ورغم الرسالة السياسية التي حملها تصريح بوتين، فإن الواقع الميداني لا يزال بعيدًا عن الهدوء.
فالهجمات الروسية على كييف والمنطقة المحيطة بها دخلت يومها الخامس على التوالي، وسط إطلاق موجات متواصلة من الطائرات المسيّرة، الأمر الذي أدى إلى اضطراب الحياة اليومية للسكان وتكرار صفارات الإنذار بصورة شبه مستمرة.
وأعلنت السلطات الأوكرانية إصابة أربعة أشخاص في هجمات وقعت الاثنين، إلى جانب تعرض مستودعات ومبنى سكني ومتجر لأضرار في منطقة كييف. كما تسببت الهجمات خلال الأيام السابقة في أضرار واسعة وسقوط قتلى.
وكان هجوم روسي على مستودع للذخيرة قرب كييف قد أدى إلى انفجارات أسفرت عن مقتل 38 شخصًا، وفق المعلومات التي نقلتها مصادر إعلامية عن السلطات الأوكرانية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الطريق نحو أي تسوية لا يزال معقدًا، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية بالتزامن مع التصريحات السياسية عن إمكانية إنهاء الحرب.
نحو 1500 طائرة مسيّرة خلال أربعة أيام
من جانبه، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن حجم الهجمات الأخيرة، قائلًا إن روسيا أطلقت نحو 1500 طائرة مسيّرة خلال أربعة أيام.
وأوضح أن أكثر من نصف هذه الطائرات كانت تعمل بمحركات نفاثة، وهو تطور يزيد من صعوبة التصدي لها بسبب سرعتها وقدرتها على الوصول إلى أهدافها خلال وقت أقصر.
وبحسب تقارير حديثة، أدت الهجمات المستمرة إلى اضطراب حركة النقل والخدمات في العاصمة، كما طالت منشآت لوجستية ومستودعات ومراكز توزيع، ما أثار مخاوف بشأن تأثير الضربات على سلاسل الإمداد والحياة اليومية للسكان.
وتحاول أوكرانيا تطوير وسائل جديدة لمواجهة هذا النوع من الطائرات، في وقت تؤكد فيه كييف أن موسكو تستخدم تكتيكات تهدف إلى استنزاف الدفاعات الجوية وإبقاء السكان تحت ضغط مستمر.
موسكو وبكين تبحثان الملف الأوكراني
وفي تطور دبلوماسي آخر، أعلن الكرملين أن بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ بحثا الصراع الأوكراني خلال اجتماعهما في قرغيزستان، رغم أن الحرب لم تكن الموضوع الرئيسي للقاء.
ويأتي ذلك في ظل العلاقات الوثيقة بين موسكو وبكين، والدور الذي تحاول الصين الحفاظ عليه في القضايا الدولية المرتبطة بالحرب.
وتنظر موسكو إلى بكين باعتبارها شريكًا استراتيجيًا رئيسيًا، بينما تواصل الصين الدعوة إلى تسوية سياسية للصراع، مع الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع روسيا.
فهل اقتربت النهاية فعلًا؟
تصريح بوتين يعيد طرح السؤال الأكثر أهمية منذ اندلاع الحرب: هل بدأت روسيا بالفعل التحضير لإنهاء الصراع، أم أن الحديث عن النهاية لا يزال جزءًا من الرسائل السياسية المتبادلة؟
الإجابة لن تتحدد بالتصريحات وحدها، بل بما إذا كانت موسكو ستتخذ خطوات عملية خلال المرحلة المقبلة، مثل خفض وتيرة الهجمات، أو استئناف مفاوضات مباشرة، أو القبول بترتيبات جديدة لوقف إطلاق النار.
كما أن أي اتفاق محتمل لن يكون سهلًا، نظرًا إلى الخلافات الكبيرة بين موسكو وكييف بشأن الأراضي والأمن وشروط التسوية، إضافة إلى الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة والدول الأوروبية في دعم أوكرانيا.
وفي المقابل، فإن استمرار الهجمات الروسية على كييف يشير إلى أن الحرب لم تدخل بعد مرحلة وقف التصعيد، رغم الحديث الروسي عن الاتجاه نحو النهاية.
وتبقى تصريحات بوتين، في الوقت الحالي، مؤشرًا سياسيًا مهمًا لكنها لا تمثل إعلانًا رسميًا عن وقف الحرب أو التوصل إلى اتفاق سلام.
ومع ذلك، فإن الجمع بين دعوة مودي لإنهاء الحرب وإعلان بوتين أن روسيا تتجه نحو إنهاء الصراع قد يفتح نافذة جديدة أمام المسار الدبلوماسي، إذا تبعته تحركات عملية على الأرض.
وفي ظل استمرار القتال والهجمات الجوية، ستتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى موسكو وكييف لمعرفة ما إذا كان تصريح بوتين سيمثل بداية لتحول حقيقي، أم أنه سيبقى مجرد رسالة سياسية وسط واحدة من أعقد الحروب التي شهدتها أوروبا في العقود الأخيرة.
فإذا تحولت الكلمات إلى خطوات، فقد تكون الحرب أمام منعطف مهم. أما إذا استمرت الضربات بالوتيرة الحالية، فسيظل السؤال مفتوحًا: هل اقتربت فعلًا نهاية الحرب، أم أن الطريق إلى السلام لا يزال طويلًا؟











