لندن – المنشر_الاخباري
يواجه رئيس الوزراء البريطاني أندي بورنهام اختباراً سياسياً مبكراً، بعد أقل من 50 يوماً على توليه رئاسة الحكومة، وسط انتقادات تتهمه بالتراجع عن عدد من التعهدات التي قدمها قبل وصوله إلى داونينغ ستريت، وتطرح تساؤلات حول مدى اختلاف حكومته عن حكومة سلفه كير ستارمر.
وكان بورنهام قد وصل إلى منصب رئيس الوزراء حاملاً خطاباً سياسياً لافتاً، تعهد خلاله بإنهاء أربعة عقود من السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، وتقديم نموذج مختلف في إدارة الاقتصاد والخدمات العامة، في وقت يعاني فيه ملايين البريطانيين من ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن وتراجع القدرة الشرائية.
لكن موقع «ميدل إيست آي» يرى، في تحليل نشره الاثنين، أن صورة التغيير التي رافقت وصول بورنهام إلى السلطة بدأت تواجه أولى العقبات، بعدما تراجع أو أبطأ تنفيذ مجموعة من السياسات التي كان قد أيدها في السابق.
ويأتي ذلك في وقت يحاول فيه رئيس الوزراء الجديد تثبيت موقعه السياسي داخل حزب العمال وإقناع الناخبين بأن وصوله إلى السلطة لا يمثل مجرد انتقال من شخصية قيادية إلى أخرى، بل بداية مرحلة سياسية واقتصادية مختلفة.
تراجع عن وعود أساسية
ومن أبرز الملفات التي أثارت الجدل موقف بورنهام من التبرعات السياسية الكبيرة، بعدما كان قد تعهد سابقاً بدعم وضع سقف لها، قبل أن يتراجع عن هذا الموقف، وفقاً للتحليل المنشور.
كما تراجع، بحسب المصدر، عن دعمه السابق لفرض ضوابط على الإيجارات، وهي قضية تحظى بأهمية كبيرة في بريطانيا بسبب الارتفاع المستمر في تكاليف السكن بالنسبة إلى المستأجرين في القطاع الخاص.
وكان بورنهام قد دعم في وقت سابق فكرة استخدام سياسات أكثر صرامة للحد من ارتفاع الإيجارات، إلا أن التخلي عن هذا التعهد يضع حكومته أمام انتقادات من قطاعات ترى أن أزمة السكن تحتاج إلى تدخل حكومي أكبر.
كذلك، أشار التحليل إلى أن بورنهام تخلى عن تعهد بأن تذهب جميع الاستثمارات الحكومية في مجال الإسكان إلى مساكن المجالس المحلية والمساكن الميسرة، في حين لا يزال ملف السكن من أكثر الملفات ضغطاً على الحكومة البريطانية.
أما ملف شركة «ثامس ووتر»، فقد شهد بدوره حالة من التباطؤ، بعدما كان بورنهام قد أبدى دعماً لتأميم الشركة بسبب الانتقادات المرتبطة بأدائها وارتفاع فواتير الخدمات التي يتحملها المستهلكون.
ويضع ذلك رئيس الوزراء أمام معادلة صعبة: كيف يمكن لحكومته أن تتحدث عن تغيير اقتصادي واسع، بينما تتراجع في الوقت نفسه عن سياسات كان من شأنها أن تعطي هذا التغيير مضموناً عملياً؟
السياسة الخارجية تفتح جبهة أخرى
ولا تقتصر الضغوط على الملفات الداخلية، إذ تواجه حكومة بورنهام تحديات متزايدة في السياسة الخارجية، خصوصاً فيما يتعلق بالحرب في غزة والعلاقات مع إسرائيل.
ويرى التحليل أن الحكومة البريطانية لم تقدم حتى الآن خطوات حاسمة تتناسب، من وجهة نظر منتقديها، مع التصريحات الصادرة عن بعض الوزراء بشأن الوضع في غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتصاعد الانتقادات الدولية.
ويشير التقرير إلى أن العلاقات التاريخية بين حزب العمال وإسرائيل تجعل أي تحول كبير في سياسة لندن تجاه تل أبيب أكثر تعقيداً، خصوصاً في ظل عدم استخدام بورنهام، وفق كاتب المقال، توصيفات أكثر وضوحاً لما يحدث في غزة.
وفي الوقت نفسه، اتخذ بورنهام موقفاً قوياً تجاه الحرب الروسية الأوكرانية، حيث زار أوكرانيا وأعلن دعماً عسكرياً إضافياً لكييف، بما في ذلك الحديث عن مشاركة تكنولوجيا مرتبطة بصواريخ «ستورم شادو» بعيدة المدى.
كما أثارت تصريحاته خلال زيارته إلى أيرلندا الشمالية جدلاً سياسياً، بعدما قال إن إجراء استفتاء بشأن توحيد أيرلندا «خارج جدول الأعمال».
وقوبل هذا الموقف بانتقادات من قيادة حزب «شين فين»، التي اعتبرت أن حق إجراء استفتاء حول الوحدة الأيرلندية جزء من اتفاق الجمعة العظيمة، وأن استبعاد هذا الخيار يبعث برسالة سياسية خطيرة.
التبرعات تحت المجهر
لكن أكثر جوانب الأزمة حساسية يرتبط بعلاقة السياسة بالمال، إذ ركز التحليل على مصادر التمويل التي ظهرت في أول إقرار لمصالح بورنهام أمام البرلمان منذ توليه منصب رئيس الوزراء.
وبحسب التقرير، تضمنت مصادر التمويل مبلغ 22 ألف جنيه إسترليني من مجموعة «Think Labour»، التي وصفها الموقع بأنها إعادة تسمية لمشروع «Labour Together» المرتبط بالأعمال والتمويل السياسي.
كما أشار التقرير إلى حصول بورنهام على 50 ألف جنيه إسترليني من رجل الأعمال تشارلي بارسونز، إضافة إلى 164347 جنيهاً إسترلينياً من اللورد ديفيد ساينسبري، أحد الحلفاء السابقين لرئيس الوزراء الأسبق توني بلير.
وورد كذلك اسم رجل الأعمال غاري لوبنر، الذي قدم، وفق التقرير، 25 ألف جنيه إسترليني.
وأثارت هذه الأرقام نقاشاً حول مدى قدرة بورنهام على تقديم نفسه باعتباره قطيعة مع النموذج السياسي الذي ساد داخل حزب العمال خلال العقود الماضية.
وزادت التساؤلات بعد إعلان الحكومة عن برنامج يوفر 10 آلاف فرصة تدريب مهني بالتعاون مع سلسلة متاجر «ساينسبري»، خصوصاً في ظل التبرع الكبير الذي تلقاه بورنهام من اللورد ساينسبري.
إلا أن مكتب رئيس الوزراء نفى وجود صلة بين التبرعات وأنشطة سلسلة المتاجر، مؤكداً أن التبرعات لم تكن مرتبطة بعمليات الشركة.
راينر أيضاً في دائرة الجدل
وامتدت قضية العلاقة بين السياسيين والقطاع الخاص إلى وزيرة الإسكان والحكم المحلي أنجيلا راينر، التي تناول التقرير نشاطاتها المالية خلال الفترة التي كانت فيها خارج الحكومة.
وبحسب «ميدل إيست آي»، حصلت راينر على 10 آلاف جنيه إسترليني مقابل كلمة لصالح شركة «Signum Global Advisors»، قبل أن تتلقى لاحقاً 20 ألف جنيه إسترليني من تبرعات الشركة.
كما حصلت على 20 ألف جنيه إسترليني مقابل كلمة لصالح «دويتشه بنك»، ومبلغ مماثل مقابل كلمة لصالح شركة «Coex Partners»، إضافة إلى 20 ألف جنيه إسترليني لقاء كلمة أمام مؤسسة «Propertymark» العاملة في قطاع العقارات.
وتؤكد راينر أن جميع أرباحها تم الإعلان عنها وفق القواعد المعمول بها، إلا أن توقيت بعض هذه المدفوعات أعاد فتح النقاش حول النفوذ المحتمل للقطاع الخاص في السياسة البريطانية.
وتزداد حساسية القضية في ظل تولي راينر حقيبة الإسكان والحكم المحلي، بالتزامن مع تراجع الحكومة عن بعض الوعود المتعلقة بضبط الإيجارات، وهي سياسة كانت تحظى بدعم سابق من بورنهام.
هل يكون بورنهام مختلفاً عن ستارمر؟
المعضلة الأساسية التي تواجه رئيس الوزراء الجديد، بحسب التحليل، هي إثبات أن خطابه السابق لم يكن مجرد استراتيجية انتخابية، وأن حكومته مستعدة بالفعل لمواجهة مصالح الشركات الكبرى وجماعات الضغط.
فحزب العمال، منذ عهد توني بلير، ارتبط بصورة سياسية أكثر قرباً من قطاع الأعمال، بينما شهد عهد كير ستارمر بدوره انتقادات بسبب تبرعات رجال الأعمال والهدايا والمزايا التي تلقاها عدد من كبار مسؤولي الحزب.
ويرى كاتب التحليل أن وصول بورنهام إلى داونينغ ستريت لم يغير بصورة جذرية شبكة المصالح والجهات التي تدعم الحزب، الأمر الذي يضع رئيس الوزراء أمام تحدٍ كبير إذا أراد إقناع الناخبين بأن عهده يمثل تحولاً حقيقياً.
وفي المقابل، لا يزال أمام بورنهام وقت لإعادة رسم ملامح حكومته، وتحويل وعوده السابقة إلى قرارات ملموسة، خصوصاً في ملفات الإسكان والخدمات العامة والسياسات الاقتصادية.
لكن التأخير في تنفيذ هذه الوعود قد يكون مكلفاً سياسياً، خصوصاً أن حكومة بورنهام ما زالت في بدايتها، وأي انطباع مبكر بأنه يعيد إنتاج سياسات ستارمر قد يضعف الصورة التي حاول بناءها باعتباره مرشحاً للتغيير.
ومع استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية، سيكون السؤال الأبرز خلال المرحلة المقبلة: هل يستطيع بورنهام كسر العلاقة التقليدية بين حزب العمال وكبار المانحين وجماعات المصالح، أم أن الواقع السياسي سيجبره على السير في الطريق نفسه الذي سار فيه أسلافه؟
حتى الآن، لم تُحسم الإجابة، لكن العاصفة السياسية بدأت مبكراً، والرئيس الجديد أمام اختبار حقيقي لإثبات أن شعاره عن التغيير يمكن أن يتحول من وعود إلى سياسات.









