طهران – المنشر_الاخباري
أكد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن القوات المسلحة الإيرانية تمكنت من إعادة بناء وتعزيز قدراتها العسكرية بوتيرة متسارعة، مشيراً إلى أن إيران حققت خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، وفق المعلومات التي بحوزته، تقدماً يعادل نحو عقد كامل من التطور العسكري.
وجاءت تصريحات قاليباف في أول رسالة مصورة مباشرة يوجهها إلى الشعب الإيراني، تناول خلالها تطورات المواجهة الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومستقبل القدرات العسكرية الإيرانية، إضافة إلى ملف مضيق هرمز والمسار الدبلوماسي مع واشنطن.
وقال قاليباف إن القوات المسلحة الإيرانية تعمل على إعادة بناء معداتها وتعزيز قدراتها في المجالين الهجومي والدفاعي، مؤكداً أن الاعتماد على التكنولوجيا المحلية والكوادر الإيرانية الشابة ساعد البلاد على تجاوز الأضرار التي لحقت بالبنية العسكرية خلال الحرب.
وأضاف أن عملية إعادة البناء لا تسير فقط باتجاه استعادة القدرات السابقة، وإنما تترافق، بحسب قوله، مع تطوير نوعي في عدد من المجالات العسكرية.
قفزة عسكرية خلال 15 شهراً
وأوضح رئيس مجلس الشورى أن الأشهر الخمسة عشر الماضية شهدت مواجهتين عسكريتين تقريباً، معتبراً أن حجم التطور الذي حققته القوات الإيرانية خلال هذه الفترة يعادل ما يمكن تحقيقه خلال عشر سنوات.
وأكد أن هذا التقييم، بحسب قوله، يستند إلى المعلومات المتوفرة لدى السلطات الإيرانية، وأنه لا يعتبره مبالغة، مشيراً إلى أن الكفاءات المحلية لعبت دوراً أساسياً في تسريع عملية إعادة بناء القدرات العسكرية.
وتحدث قاليباف بصورة خاصة عن منظومات الدفاع الجوي والصواريخ والرادارات، قائلاً إن التجربة القتالية الأخيرة أظهرت تحسناً في أداء هذه المنظومات، وإن إيران ستكون في أي مواجهة مقبلة أكثر استعداداً من حيث القدرة على التخطيط والدقة وحجم الضربات.
كما اعتبر أن الضربات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت مواقع أمريكية في المنطقة بعد وقف إطلاق النار حملت، من وجهة نظر طهران، رسالة استراتيجية إلى واشنطن، مفادها أن القدرات الصاروخية الإيرانية لا يمكن تحييدها بسهولة.
رسالة مباشرة إلى واشنطن
وفي لهجة حملت رسائل ردع واضحة، شدد قاليباف على أن إيران لن تتجه إلى الاستسلام السياسي أو العسكري، مؤكداً أن التطورات الأخيرة عززت قناعة طهران بضرورة الاعتماد على قدراتها الذاتية.
وقال إن إيران تعاملت مع المفاوضات الأخيرة مع الولايات المتحدة بحذر، بسبب ما وصفه بعدم الثقة التاريخية في الالتزامات الأمريكية، لكنها دخلت المسار الدبلوماسي من موقع تعتبره أكثر قوة.
وبحسب روايته، قدم الجانب الأمريكي في بداية المفاوضات مشروعاً تضمن 15 مطلباً، بينها مطالب تتعلق بالبرنامج النووي والقدرات الصاروخية الإيرانية، قبل أن تتراجع واشنطن عن عدد من هذه المطالب في النسخة اللاحقة من التفاهم.
واعتبر قاليباف أن ذلك يعكس، من وجهة النظر الإيرانية، تأثير القدرات العسكرية والضغط السياسي الذي مارسته طهران خلال المواجهة.
وأكد أن بلاده لن تتعامل مع المفاوضات باعتبارها بديلاً عن عناصر القوة، قائلاً إن إيران لن تقدم تنازلات تمس قدراتها الأساسية.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
وانتقل قاليباف إلى الملف الأكثر حساسية في الصراع الحالي، وهو مضيق هرمز، مؤكداً أن القوات الإيرانية تسيطر على المضيق ولن تسمح بإعادة فتحه وفق شروط تفرضها أطراف خارجية.
وقال إن بعض السفن تمكنت في فترات محدودة من المرور، لكنه نفى أن يكون ذلك دليلاً على فقدان إيران السيطرة على الممر المائي.
واعتبر أن القوات الإيرانية تراقب التحركات البحرية وتتعامل معها وفق ما تراه مناسباً، مشيراً إلى أن المواجهات الأخيرة في المنطقة أثبتت، بحسب قوله، قدرة إيران على الرد بسرعة على أي تحرك عسكري.
وتكتسب تصريحات قاليباف أهمية خاصة بسبب الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز، الذي يمثل ممراً رئيسياً لحركة الطاقة والتجارة البحرية العالمية، ويعد منذ بداية التصعيد إحدى أبرز نقاط الضغط المتبادلة بين طهران وواشنطن.
تفاهمات مع عُمان
وفيما يتعلق بإدارة المضيق، أشار قاليباف إلى وجود تفاهم مع سلطنة عُمان بشأن الدور الذي يجب أن تضطلع به الدول الساحلية في إدارة حركة الملاحة.
وقال إن إدارة المضيق ينبغي أن تظل ضمن مسؤولية الدول المطلة عليه، معتبراً أن وجود أطراف خارجية في هذه المعادلة غير مقبول بالنسبة لطهران.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تلعب فيه عُمان دوراً في جهود خفض التوتر بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب تحركات دبلوماسية إقليمية تهدف إلى منع تجدد الحرب على نطاق أوسع.
تحذير من «الحرب الهجينة»
وحذر قاليباف من أن المواجهة المقبلة قد لا تكون عسكرية بالمعنى التقليدي فقط، مشيراً إلى ما وصفه بانتقال الولايات المتحدة وحلفائها إلى استخدام أدوات «الحرب الهجينة».
وأوضح أن هذه الأدوات تشمل الضغوط الاقتصادية والعقوبات والحرب النفسية ومحاولات التأثير على الوضع الداخلي، إلى جانب التهديد بشن ضربات عسكرية محدودة أو تنفيذ عمليات تستهدف شخصيات إيرانية.
كما انتقد التهديدات الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية جديدة، معتبراً أن طهران أصبحت أكثر قدرة على التعامل مع الضغوط مقارنة بالمراحل السابقة.
لكن قاليباف شدد في الوقت نفسه على أن الحصار البحري يمثل مستوى مختلفاً من التصعيد، قائلاً إن استمرار الحصار أو تشديده سيُنظر إليه باعتباره عملاً عسكرياً، وإن إيران ستتعامل معه عسكرياً إذا تطور إلى مستوى أكثر خطورة.
معادلة جديدة بعد الحرب
وتكشف تصريحات قاليباف عن محاولة إيرانية لتثبيت معادلة جديدة في مرحلة ما بعد الحرب، تقوم على الجمع بين تطوير القدرات العسكرية والحفاظ على أدوات الضغط الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام التفاوض.
وتسعى طهران من خلال هذه الرسائل إلى التأكيد أن الضربات التي تعرضت لها لم تؤد، وفق روايتها، إلى إضعاف قدراتها على نحو يمنعها من مواصلة الردع.
وفي المقابل، تبقى التصريحات المتعلقة بحجم التطور العسكري الإيراني تقديرات صادرة عن مسؤولين إيرانيين، ولا تعني بالضرورة وجود تقييم مستقل يؤكد أن إيران حققت فعلياً ما يعادل عشر سنوات من التطور خلال 15 شهراً.
لكن الرسالة السياسية التي حملها خطاب قاليباف تبدو أكثر وضوحاً من الأرقام نفسها: إيران تريد أن تقول لواشنطن إن أي مواجهة جديدة لن تبدأ من النقطة التي انتهت عندها الحرب السابقة، وإن طهران تعتقد أنها تدخل المرحلة المقبلة بقدرات أكبر واستعداد أعلى.
وفي ظل استمرار التوتر حول الملف النووي والعقوبات والملاحة في الخليج، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الرسائل ستدفع الطرفين نحو تفاوض أكثر جدية، أم أنها ستتحول إلى مقدمة لجولة جديدة من التصعيد.










