واشنطن- المنشر_الاخباري
بعد ستة أشهر من المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت الحرب تتحول إلى عبء سياسي متزايد على الرئيس دونالد ترامب داخل واشنطن، مع تصاعد الانتقادات في الكونغرس بشأن الكلفة العسكرية والاقتصادية للحملة، وغياب نتيجة حاسمة تنهي الصراع.
ويأتي ذلك في وقت عادت فيه المواجهات إلى التصعيد، بينما لم تنجح الضغوط العسكرية والاقتصادية الأمريكية في الوصول إلى تسوية نهائية مع طهران. وتظهر التطورات الأخيرة أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما تحولت أهداف واشنطن من السعي إلى حسم عسكري سريع إلى التركيز بدرجة أكبر على العقوبات والضغط الاقتصادي وتأمين الملاحة في مضيق هرمز.
«فشل كامل».. انتقادات من داخل الكونغرس
كان السيناتور الديمقراطي مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، من أبرز الأصوات التي هاجمت حصيلة الحرب. وقال إن مرور ستة أشهر من الحرب يطرح سؤالاً أساسياً حول ما الذي حققته حملة ترامب، مشيراً إلى استمرار الضربات، وارتفاع أسعار النفط، واستنزاف القوات والذخائر الأمريكية، مع بقاء إيران محتفظة بقدرات عسكرية مهمة.
ووصف وارنر الحرب بأنها «فشل كامل»، في موقف يعكس اتساع مساحة الانتقاد داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.
ولم تقتصر الانتقادات على عضو واحد. فقد طالب زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بإنهاء الحرب، محذراً من استنزاف المخزونات العسكرية وإضعاف القدرة الأمريكية على التعامل مع تهديدات أخرى.
كما انتقدت السيناتورة إليزابيث وارن الكلفة الاقتصادية للحرب، فيما دعا أعضاء آخرون إلى إعادة القوات الأمريكية إلى البلاد وإنهاء العمليات العسكرية.
من حرب قصيرة إلى مواجهة مفتوحة
المشكلة الأساسية التي تواجه إدارة ترامب لا تتعلق فقط بكلفة الحرب، وإنما أيضاً بالفجوة بين التوقعات التي رافقت بدايتها والواقع الذي وصلت إليه بعد ستة أشهر.
فالصراع الذي كان يُنظر إليه في البداية باعتباره عملية عسكرية يمكن أن تحقق أهدافاً محددة خلال فترة قصيرة، تحول إلى مواجهة ممتدة ذات تداعيات إقليمية ودولية واسعة.
وتشير تقديرات وتحليلات حديثة إلى أن الولايات المتحدة حققت نجاحات تكتيكية في استهداف أجزاء من القدرات العسكرية الإيرانية، لكنها لم تتمكن من القضاء على جميع الأهداف التي أعلنتها في بداية الحرب، بما في ذلك إنهاء القدرات النووية الإيرانية بشكل كامل أو ضمان عدم قدرة طهران على إعادة بناء قدراتها العسكرية.
وبذلك أصبحت واشنطن أمام معادلة صعبة: استمرار الحرب يعني المزيد من الاستنزاف، بينما التراجع عنها دون اتفاق واضح قد يُنظر إليه سياسياً على أنه فشل في تحقيق الأهداف المعلنة.
فاتورة تتصاعد والانتخابات تقترب
اقتصادياً، لم تعد الحرب قضية بعيدة عن المواطن الأمريكي. فقد أدت اضطرابات أسواق الطاقة المرتبطة بالصراع إلى ارتفاع أسعار الوقود، في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية احتواء آثار التضخم.
وتشير تقارير حديثة إلى أن تكلفة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، في حين تواجه واشنطن ضغوطاً متزايدة بسبب استهلاك الذخائر والمعدات العسكرية وإبقاء قوات كبيرة في منطقة شديدة التوتر.
ومع اقتراب الانتخابات النصفية، يمكن أن تتحول هذه الكلفة إلى ملف سياسي حساس بالنسبة للإدارة. فارتفاع أسعار الطاقة واستمرار العمليات العسكرية قد يفتحان الباب أمام خصوم ترامب لطرح سؤال مباشر: لماذا تستمر الحرب إذا لم تحقق أهدافها؟
الكونغرس يضغط.. لكن القرار لا يزال في يد ترامب
التوتر بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن الحرب ليس جديداً. فمنذ الأشهر الأولى للصراع، حاول أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب استخدام صلاحيات الحرب للحد من قدرة الرئيس على مواصلة العمليات العسكرية من دون تفويض تشريعي واضح.
وفي يونيو/حزيران، وافق مجلس النواب على قرار يتعلق بصلاحيات الحرب بهدف وقف العمل العسكري الأمريكي ضد إيران، في خطوة عكست اتساع القلق داخل الكونغرس من استمرار الصراع. كما شهد مجلس الشيوخ تحركات مماثلة.
وتنص قواعد «قانون صلاحيات الحرب» الأمريكي على قيود زمنية على استمرار العمليات العسكرية من دون تفويض من الكونغرس، إلا أن إدارة ترامب قدمت تفسيراً قانونياً خاصاً لمسار الحرب، معتبرة أن ترتيبات وقف إطلاق النار السابقة أثرت في احتساب المدة القانونية.
وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط الصراع حساسية: هل يملك البيت الأبيض حق مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها، أم أن استمرار العمليات يحتاج إلى تفويض جديد من السلطة التشريعية؟
إيران لم تسقط.. والمواجهة تتحول إلى استنزاف
على الجانب الآخر، لم تؤدِ الضربات الأمريكية والإسرائيلية إلى انهيار النظام الإيراني، وهو ما بات يشكل تحدياً استراتيجياً لواشنطن.
وبعد ستة أشهر، لا تزال طهران قادرة على الرد، كما لا يزال مضيق هرمز يمثل ورقة ضغط استراتيجية بسبب أهميته لسوق الطاقة العالمي. وتعتبر السيطرة على أمن الملاحة في المضيق إحدى أبرز القضايا التي فرضت نفسها على حسابات الولايات المتحدة خلال المرحلة الأخيرة من الحرب.
وفي الوقت نفسه، تشير التطورات الأخيرة إلى أن الطرفين لا يبدوان مستعدين للعودة بسهولة إلى الحرب الشاملة، رغم استمرار التهديدات والضربات المتبادلة. فقد أبدت طهران استعداداً للعودة إلى ترتيبات وقف إطلاق النار السابقة إذا التزمت واشنطن بتعهداتها، ما يفتح نافذة ضيقة أمام الدبلوماسية.
ترامب أمام معادلة صعبة
في المقابل، يتمسك ترامب بسياسة الضغط، مع انتقال جزء كبير من الاستراتيجية الأمريكية من العمليات العسكرية المباشرة إلى العقوبات الاقتصادية، خصوصاً عبر الضغط على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران.
لكن هذه السياسة تواجه هي الأخرى تحديات كبيرة، إذ إن استمرار الضغط الاقتصادي لا يعني بالضرورة انهيار طهران أو قبولها بالشروط الأمريكية. وقد أثبتت الأشهر الماضية أن إيران قادرة على التكيف مع العقوبات وإعادة تنظيم قنواتها الاقتصادية والتجارية.
وهكذا يجد ترامب نفسه أمام اختبار سياسي واستراتيجي معقد: استمرار الحرب قد يعني مزيداً من الاستنزاف، بينما إنهاؤها من دون اتفاق واضح قد يمنح خصومه فرصة لوصف الحملة بأنها مغامرة مكلفة لم تحقق أهدافها.
وبعد ستة أشهر من القتال، لم يعد السؤال في واشنطن هو فقط كيف يمكن الضغط على إيران، بل بات سؤال أكثر إحراجاً يفرض نفسه داخل الكونغرس: كيف تنهي الولايات المتحدة هذه الحرب من دون أن تبدو وكأنها خرجت منها بلا انتصار؟
ومع استمرار التصعيد، وارتفاع كلفة الطاقة، وتزايد الضغوط السياسية، تبدو الحرب على إيران أمام مفترق طرق حاسم؛ فإما أن تفتح واشنطن باباً جدياً للتفاوض، أو تستمر في مواجهة طويلة قد تصبح كلفتها السياسية والعسكرية أكبر من أي مكاسب حققتها حتى الآن.









