لاس فيغاس – المنشر_الاخباري
في تحرك سياسي يحمل دلالات تتجاوز حدود خطاب انتخابي عابر، سعى نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى ترميم علاقته مع الجمهوريين اليهود والتيار المحافظ المؤيد لإسرائيل، خلال كلمة مغلقة أمام «الائتلاف الجمهوري اليهودي» في لاس فيغاس، وسط تزايد التكهنات بشأن طموحاته المحتملة لخوض سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2028.
وجاء ظهور فانس في وقت يواجه فيه الرجل أسئلة متزايدة داخل الأوساط الجمهورية المؤيدة لإسرائيل بشأن مواقفه من الحكومة الإسرائيلية، وعلاقاته بشخصيات إعلامية محافظة مثيرة للجدل، في مقدمتها المعلق الأمريكي تاكر كارلسون.
رسالة واضحة: إسرائيل مهمة للأمن القومي الأمريكي
حاول فانس خلال الاجتماع المغلق تقديم تطمينات مباشرة للحاضرين، مؤكداً أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل تمثل أهمية استراتيجية بالنسبة لواشنطن.
وشدد على أن إسرائيل «مهمة للغاية للأمن القومي الأمريكي»، في رسالة بدت موجهة تحديداً إلى الجمهوريين الذين أصبحوا أكثر تشككاً في مواقفه خلال الأشهر الماضية.
ولم يكتفِ نائب الرئيس بالحديث عن التحالف بين واشنطن وتل أبيب، بل حاول تقديمه باعتباره علاقة تقوم على المصالح المشتركة، في محاولة للرد على المخاوف من أن الجيل الجديد داخل الحزب الجمهوري أصبح أقل حماساً تجاه إسرائيل من الأجيال السابقة.
ويرى مراقبون أن هذه النقطة ستكون شديدة الأهمية بالنسبة إلى فانس إذا قرر بالفعل خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، إذ سيحتاج إلى المحافظة على دعم القاعدة الشعبية التي تميل إلى سياسة «أمريكا أولاً»، دون خسارة المانحين والناخبين المحافظين المؤيدين لإسرائيل.
«كراهية اليهود تفسد الروح»
وفي واحدة من أبرز رسائل الخطاب، أدان فانس معاداة السامية بشدة، قائلاً إن «كراهية اليهود تفسد الروح».
وتأتي هذه التصريحات وسط جدل داخل الحزب الجمهوري نفسه بشأن صعود أصوات يمينية متطرفة ومعادية للسامية، إضافة إلى المخاوف من تزايد الخطاب العدائي تجاه اليهود في الولايات المتحدة.
وحاول فانس رسم خط فاصل بين التيار المحافظ الذي يريد الوصول إلى جمهور أوسع، وبين الشخصيات التي تتبنى خطاباً معادياً لليهود بصورة صريحة.
وقال عن نيك فوينتس، الشخصية اليمينية المتطرفة المعروفة بخطابها المعادي لليهود، إن لديه «الكراهية في قلبه»، في إشارة إلى أن فانس لا يريد أن يُفهم انفتاحه على بعض الأصوات اليمينية باعتباره قبولاً بخطاب فوينتس أو مواقفه.
الهجرة تدخل على خط معاداة السامية
وفي نقطة أخرى حساسة، ربط فانس جزءاً من تصاعد معاداة السامية في الولايات المتحدة بالهجرة.
وبحسب ما نقلته تقارير عن الاجتماع، تحدث نائب الرئيس عن أشخاص يأتون إلى الولايات المتحدة حاملين معهم «كراهية عرقية قديمة»، معتبراً أن هذه المشاعر يمكن أن تنتقل إلى المجتمع الأمريكي.
ويحاول فانس من خلال هذا الطرح الجمع بين ملفين يمثلان جزءاً أساسياً من أجندته السياسية: تشديد سياسات الهجرة من جهة، ومواجهة معاداة السامية من جهة أخرى.
لكن هذا الطرح قد يفتح بدوره نقاشاً سياسياً داخل الولايات المتحدة، خصوصاً أن قضية الهجرة أصبحت من أكثر الملفات استقطاباً بين الجمهوريين والديمقراطيين.
تاكر كارلسون.. القضية الأكثر حساسية
ربما كان ملف تاكر كارلسون الأكثر إحراجاً لفانس أمام الجمهوريين اليهود.
فكارلسون، وهو من أبرز الأصوات الإعلامية المحافظة في الولايات المتحدة، أصبح خلال الفترة الأخيرة شخصية مثيرة للجدل داخل الأوساط المؤيدة لإسرائيل، بسبب مواقفه من السياسة الخارجية الأمريكية وإسرائيل، إلى جانب استضافته شخصيات تعرضت لانتقادات بسبب تصريحات معادية لليهود.
وكانت هناك دعوات من بعض المشاركين إلى فانس لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً من كارلسون.
لكن نائب الرئيس لم يقطع علاقته به، بل دافع بصورة أوسع عن فكرة الوصول إلى الجمهور المحافظ عبر الشخصيات الإعلامية المؤثرة، مؤكداً أن الجمهوريين بحاجة إلى الدخول في النقاشات وعدم ترك هذه المنصات للخصوم السياسيين.
وبحسب واشنطن بوست، أقر فانس خلال حديثه بأن بعض الحاضرين قد يختلفون معه بشأن تسامحه مع تصريحات صدرت عن كارلسون وشخصيات إعلامية أخرى.
لماذا الآن؟
توقيت الخطاب ليس عشوائياً.
فمع أن انتخابات 2028 لا تزال بعيدة، بدأت بالفعل تظهر ملامح المنافسة داخل الحزب الجمهوري على خلافة ترامب، ويُنظر إلى فانس باعتباره أحد أبرز الأسماء المحتملة.
ولهذا فإن العلاقة مع الجمهوريين اليهود والمانحين المحافظين المؤيدين لإسرائيل قد تكون عاملاً مهماً في أي حملة رئاسية مستقبلية.
وتشير تقارير إلى أن عدداً من الجمهوريين اليهود أصبحوا أكثر تحفظاً تجاه ترشح فانس المحتمل، فيما أبدى بعضهم دعماً لوزير الخارجية ماركو روبيو كخيار بديل.
وبالتالي، فإن خطاب فانس في لاس فيغاس يمكن قراءته باعتباره محاولة مبكرة لتقليص الفجوة مع هذه الشريحة المهمة من الحزب.
من انتقاد إسرائيل إلى تطمين مؤيديها
وتكمن أهمية الخطوة في أن فانس لم يكن خلال الأشهر الماضية بعيداً عن الانتقادات الموجهة إلى الحكومة الإسرائيلية.
فقد دخل في خلافات علنية أو شبه علنية بشأن بعض سياسات إسرائيل، كما عبّر عن مواقف أثارت غضب شخصيات مؤيدة بشدة لتل أبيب داخل الحزب الجمهوري.
وفي الوقت نفسه، ظل فانس يؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل حليفتان، وأن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب لا يعني انهيار التحالف بينهما.
وهنا يبدو أن نائب الرئيس يحاول إعادة صياغة صورته: مؤيد للتحالف مع إسرائيل، لكن ليس بالضرورة مؤيداً لكل قرار تتخذه حكومتها.
وهذه المعادلة قد تكون محاولة لبناء موقف سياسي خاص به داخل الحزب، بدلاً من تبني مواقف ترامب بالكامل أو الانضمام إلى التيار التقليدي المؤيد لإسرائيل دون تحفظ.
معركة 2028 بدأت من الآن؟
رغم أن فانس لم يعلن رسمياً ترشحه للرئاسة، فإن تحركاته السياسية أصبحت تُقرأ بصورة متزايدة من زاوية الانتخابات المقبلة.
فزيارته إلى لاس فيغاس، ولقاؤه جمهوراً جمهورياً يهودياً مؤثراً، ومحاولته معالجة المخاوف بشأن إسرائيل ومعاداة السامية، كلها خطوات يمكن أن تخدم حملة وطنية مستقبلية.
لكن التحدي أمامه سيكون معقداً.
فإذا اقترب كثيراً من التيار الجمهوري التقليدي المؤيد لإسرائيل، فقد يخسر جزءاً من القاعدة الشعبوية التي تنظر بعين الشك إلى التدخلات الخارجية.
وإذا ابتعد كثيراً عن إسرائيل، فقد يخسر دعماً مهماً من المانحين والجمهوريين اليهود والمحافظين التقليديين.
ومن هنا تبدو معادلة فانس واضحة: الحفاظ على قاعدة ترامب، مع بناء هوية سياسية خاصة تؤهله لخوض معركة 2028.
فانس أمام اختبار صعب
الخطاب المغلق في لاس فيغاس لم يكن مجرد مناسبة للتأكيد على دعم إسرائيل أو إدانة معاداة السامية؛ بل كان اختباراً سياسياً مبكراً لنائب الرئيس أمام شريحة مؤثرة من الحزب الجمهوري.
وقد نجح فانس في توجيه رسائل تطمين واضحة، لكنه لم يغلق جميع الملفات الخلافية، خصوصاً علاقته بشخصيات مثل كارلسون.
وتشير التغطية الأمريكية إلى أن الحاضرين تلقوا الخطاب بصورة إيجابية عموماً، لكن بعضهم ظل متشككاً في مدى التزام فانس الفعلي بمواقف الجمهوريين اليهود التقليدية.
وبينما يستعد الحزب الجمهوري لمرحلة ما بعد ترامب، يبدو أن فانس بدأ بالفعل في بناء شبكة سياسية جديدة، أساسها المحافظة على العلاقة مع إسرائيل، مواجهة معاداة السامية، واستقطاب الناخبين الشباب والمحافظين المتشككين في السياسة الخارجية التقليدية.
وفي النهاية، فإن سؤال 2028 لم يعد فقط: من سيخلف ترامب؟ بل أيضاً: أي نسخة من الحزب الجمهوري ستصل إلى صناديق الاقتراع؟ وهل يستطيع جي دي فانس الجمع بين «أمريكا أولاً» والتحالف التاريخي مع إسرائيل دون أن يخسر أحد الجناحين؟










