لندن – المنشر_الاخباري
تتجه الأنظار إلى واشنطن مع الزيارة المرتقبة لرئيس أرض الصومال عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف باسم «عيرو»، في تحرك يحمل أبعادًا تتجاوز مجرد طلب الاعتراف باستقلال الإقليم، وتفتح الباب أمام تساؤلات أكبر بشأن ما الذي يمكن أن تقدمه «هرجيسا» للولايات المتحدة مقابل خطوة دبلوماسية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في القرن الأفريقي.
وبحسب تقارير حديثة، يستعد عيرو لزيارة الولايات المتحدة في سبتمبر، في محاولة لدفع ملف الاعتراف الأميركي بأرض الصومال، بعد أن أصبحت إسرائيل في ديسمبر 2025 أول دولة عضو في الأمم المتحدة تعترف بالإقليم كدولة مستقلة.
لكن خلف عنوان «الاعتراف» توجد حسابات أكثر تعقيدًا. فالموقع الجغرافي لأرض الصومال، المطلة على خليج عدن والقريبة من أحد أهم ممرات التجارة العالمية، يجعل ميناء بربرة ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الصراع بين مقديشو و«هرجيسا».
بربرة.. الورقة الأهم على الطاولة
تدرك أرض الصومال أن واشنطن قد لا تنظر إلى قضية الاعتراف باعتبارها ملفًا سياسيًا منفصلًا عن المصالح الأمنية والاقتصادية الأميركية. ولذلك طرحت «هرجيسا» خلال الأشهر الماضية إمكانية منح الولايات المتحدة تسهيلات عسكرية والوصول إلى موارد معدنية، في محاولة لتحويل موقعها الجغرافي إلى مكسب استراتيجي لواشنطن.
ويأتي ميناء بربرة في مقدمة هذه الحسابات، باعتباره نقطة بحرية مهمة على خليج عدن وقريبة من طرق الملاحة المؤدية إلى البحر الأحمر وباب المندب. وتزداد أهمية الموقع في ظل استمرار التنافس الدولي على النفوذ في هذه المنطقة الحيوية.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن أرض الصومال تحاول تسويق نفسها أمام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتبارها شريكًا محتملًا في مجالات الأمن البحري، والوصول إلى المعادن الاستراتيجية، وتوفير بنية تحتية أو تسهيلات للقوات الأميركية.
لماذا الآن؟
التوقيت ليس عابرًا. فالمنطقة تشهد إعادة ترتيب واسعة للتحالفات والنفوذ، بينما أصبح البحر الأحمر وخليج عدن جزءًا أساسيًا من الحسابات الأمنية العالمية.
ومن هنا، يمكن قراءة زيارة عيرو باعتبارها محاولة لاستغلال اللحظة الدولية الحالية لدفع واشنطن إلى إعادة النظر في موقفها التقليدي من قضية أرض الصومال.
لكن المفارقة أن واشنطن لم تكن قد أعلنت تغييرًا رسميًا في موقفها. ففي يونيو 2026، أكدت الإدارة الأميركية استمرار اعترافها بسيادة الصومال ووحدته وسلامة أراضيه، بما يشمل أرض الصومال.
وبذلك، فإن مهمة عيرو تبدو أقرب إلى اختبار حدود الموقف الأميركي ومحاولة إقناع الإدارة بأن المصالح الاستراتيجية الجديدة قد تستحق إعادة النظر في السياسة السابقة.
إسرائيل فتحت الباب.. لكن واشنطن أمام حسابات أصعب
الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال منح «هرجيسا» دفعة دبلوماسية غير مسبوقة، لكنه في المقابل فجّر رفضًا إقليميًا واسعًا وأعاد قضية وحدة الأراضي الصومالية إلى واجهة الاهتمام الدولي.
وهنا تواجه واشنطن معادلة صعبة: الاعتراف بأرض الصومال قد يمنحها موطئ قدم استراتيجيًا مهمًا، لكنه قد يضر بعلاقاتها مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو ويثير اعتراضات من قوى إقليمية تتمسك بوحدة الأراضي الصومالية.
كما أن أي خطوة أميركية بهذا الاتجاه ستكون محط اهتمام تركيا ومصر ودول أخرى ترى أن تغيير وضع أرض الصومال قد يؤدي إلى تداعيات أوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
هل تكون الصفقة «اعترافًا مقابل موقع»؟
السؤال الأبرز الذي تثيره الزيارة هو: هل تحاول أرض الصومال تحويل الاعتراف إلى صفقة استراتيجية؟
المعادلة التي تطرحها «هرجيسا» تبدو واضحة: موقع جغرافي مهم، وميناء بربرة، وإمكانية الوصول إلى موارد معدنية، وتسهيلات عسكرية محتملة، مقابل دعم سياسي أميركي يفتح الطريق أمام الاعتراف الدولي.
لكن واشنطن تستطيع الحصول على جزء من هذه المصالح من دون اتخاذ الخطوة الأكثر حساسية، وهي الاعتراف الرسمي بالاستقلال. وهذا ما يجعل سيناريو «التعاون دون الاعتراف» أحد الخيارات الواقعية المطروحة.
في المقابل، فإن أي تدهور أمني كبير في البحر الأحمر أو تغير في موازين القوى بالقرن الأفريقي قد يرفع القيمة الاستراتيجية لأرض الصومال ويجعل الاعتراف، من وجهة نظر واشنطن، أقل كلفة وأكثر جاذبية.
معركة أبعد من الاستقلال
لذلك، فإن زيارة عيرو إلى واشنطن لا تبدو مجرد جولة دبلوماسية للبحث عن اعتراف بدولة أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، وإنما محاولة لوضع أرض الصومال داخل الحسابات الأميركية الكبرى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
فإذا نجحت «هرجيسا» في إقناع واشنطن بأن بربرة والموقع الجغرافي والموارد المعدنية يمكن أن تخدم المصالح الأميركية، فقد تتحول قضية الاعتراف من ملف سياسي أفريقي إلى ورقة ضمن منافسة استراتيجية أكبر.
أما إذا تمسكت واشنطن بموقفها الحالي، فقد تنتهي الزيارة إلى اتفاقات أمنية واقتصادية أعمق، مع إبقاء الاعتراف الرسمي مؤجلًا.
وفي الحالتين، فإن الرسالة الأهم من زيارة عيرو قد لا تكون ما سيعلنه البيت الأبيض، بل ما الذي ستطلبه واشنطن في المقابل إذا قررت فتح الباب أمام أرض الصومال.








