تونس- المنشر_الاخباري
أثار الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي جدلًا واسعًا بعد دعوته التونسيين إلى الدخول في عصيان مدني شامل يبدأ خلال سبتمبر الجاري، بهدف إسقاط النظام السياسي الحالي برئاسة قيس سعيّد، والعودة إلى ما وصفه بالمسار الديمقراطي.
وقال المرزوقي، المقيم في فرنسا، في بيان نشره عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، إن العصيان المدني هو، بحسب رؤيته، الخيار المتبقي أمام التونسيين لاستعادة النظام الديمقراطي، داعيًا إلى استمرار التحرك حتى سقوط النظام الحالي.
ماذا طلب المرزوقي من التونسيين؟
لم تقتصر دعوة الرئيس التونسي الأسبق على التظاهر، بل تضمنت مجموعة من الخطوات التي قال إنها تشكل أدوات للعصيان المدني، من بينها الامتناع عن دفع فواتير الماء والكهرباء والضرائب، وتنظيم الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات في المدن والقرى وأحياء العاصمة.
كما دعا المرزوقي الشباب إلى الاضطلاع بدور أكبر في تنظيم التحركات، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي للتنسيق والتعبئة وتحديد مواعيد وأماكن الاحتجاجات، مستشهدًا بتجارب احتجاجية شهدتها دول آسيوية، بينها سريلانكا وبنغلاديش ونيبال.
وطالب كذلك بمحاكمة مسؤولي السلطة الحالية، والإفراج عن من وصفهم بالسجناء السياسيين، واستعادة دستور الثورة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس ما اعتبره مسارًا ديمقراطيًا، إلى جانب معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.
وقال المرزوقي إن البديل عن التحرك، من وجهة نظره، هو استمرار ما وصفه بتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تونس.
انتقادات حادة لدعوة المرزوقي
لكن الدعوة قوبلت بموجة انتقادات واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ شكك منتقدون في قدرة المرزوقي على التأثير في الشارع التونسي، وانتقدوا إطلاق الدعوة من خارج البلاد.
وتركز جانب من الانتقادات على دعوة المواطنين إلى عدم دفع فواتير الخدمات والضرائب، باعتبار أن مثل هذه الخطوات قد تنعكس على الدولة والخدمات العامة والاقتصاد، بينما رأى آخرون أن الدعوة تعكس صراعًا سياسيًا أكثر من كونها مبادرة قادرة على إنتاج تغيير فعلي.
كما استعاد عدد من المنتقدين فترة تولي المرزوقي رئاسة الجمهورية بين عامي 2011 و2014، ووجهوا إليه انتقادات بشأن حصيلة تلك المرحلة، فيما شكك آخرون في مدى وجود قاعدة شعبية قادرة على تحويل دعوته إلى حركة احتجاجية واسعة.
وتأتي هذه الانتقادات في ظل انقسام سياسي حاد في تونس منذ الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد في يوليو 2021، والتي أعادت تشكيل المشهد السياسي والمؤسساتي في البلاد.
المرزوقي في مواجهة أحكام قضائية
وتزيد الخلفية القضائية للمرزوقي من حساسية دعوته الجديدة؛ إذ صدرت بحقه أحكام قضائية غيابية في تونس خلال السنوات الماضية.
وفي فبراير 2024، قضت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية في تونس بسجنه غيابيًا لمدة ثماني سنوات مع النفاذ العاجل، على خلفية اتهامات مرتبطة بتصريحات نُسبت إليه وتحريض على مؤسسات الدولة، بحسب ما أوردت وكالة تونس إفريقيا للأنباء.
وفي يونيو 2025، صدر بحقه حكم غيابي آخر بالسجن لمدة 22 عامًا في قضية تتعلق بأمن الدولة، وفق تقارير إعلامية، ليصبح من أبرز المعارضين للرئيس قيس سعيّد الذين يواجهون أحكامًا قضائية في تونس.
ويعيش المرزوقي خارج تونس منذ سنوات، وهو ما يستخدمه خصومه السياسيون في انتقاد دعواته المتكررة للتحرك داخل البلاد.
هل تتحول الدعوة إلى احتجاجات فعلية؟
ويبقى السؤال الأبرز هو مدى قدرة دعوة المرزوقي على الانتقال من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الشارع.
فالدعوة إلى عصيان مدني واسع تتطلب وجود تنظيم سياسي وشعبي قادر على حشد أعداد كبيرة من المواطنين، خصوصًا أن المقترحات التي طرحها المرزوقي، مثل الامتناع عن دفع الضرائب وفواتير الخدمات وتنظيم إضرابات واعتصامات متزامنة، تحتاج إلى قدرة كبيرة على التنسيق والاستمرار.
وفي المقابل، فإن ردود الفعل الأولية التي نقلتها وسائل إعلام تونسية وعربية تشير إلى أن الدعوة واجهت انتقادات لافتة، فيما لم تظهر حتى الآن مؤشرات مؤكدة على تحولها إلى حركة احتجاجية واسعة على مستوى البلاد.
وبذلك تعيد دعوة المرزوقي ملف الصراع السياسي في تونس إلى الواجهة، لكنها تفتح في الوقت نفسه مواجهة جديدة حول سؤال أكثر تعقيدًا: هل لا يزال بإمكان المعارضة في الخارج تحريك الشارع التونسي، أم أن دعوات العصيان ستبقى محصورة في الفضاء السياسي والإعلامي؟








