بيروت – المنشر_الاخباري
دخل المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل مرحلة جديدة مع تصاعد الجهود الأمريكية للدفع نحو مفاوضات مباشرة رفيعة المستوى بين البلدين، في وقت لا يزال فيه ملف نزع سلاح حزب الله يمثل العقبة الأبرز أمام الانتقال من الترتيبات الأمنية إلى تسوية سياسية أوسع.
وقال النائب اللبناني فؤاد مخزومي إن هناك اعتقادًا متزايدًا بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيكون محقًا في توقعه بدء مفاوضات مباشرة وعالية المستوى بين لبنان وإسرائيل خلال الفترة المقبلة، بعد سلسلة من الاتصالات التي رعتها واشنطن خلال الأشهر الماضية.
جولات مباشرة برعاية أمريكية
وشهد العام الجاري عدة جولات من المفاوضات الثلاثية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن، انتهت في 26 يونيو بتوقيع إطار ثلاثي داخل وزارة الخارجية الأمريكية.
ويهدف الإطار إلى وضع مسار تدريجي لإنهاء النزاع، يقوم على تعزيز سيطرة الجيش اللبناني على الأراضي اللبنانية، بعد التحقق من نزع سلاح حزب الله، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي من المناطق الواقعة في جنوب لبنان.
وتتضمن الخطة البدء بما يعرف بـ«المناطق التجريبية»، بحيث يجري اختبار قدرة الجيش اللبناني على تولي المسؤولية الأمنية، قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من الانتشار اللبناني والانسحاب الإسرائيلي.
الانتقال إلى مفاوضات ثنائية
ولا يقتصر الإطار على الترتيبات العسكرية والأمنية، إذ يفتح الباب أمام انتقال لبنان وإسرائيل إلى مفاوضات ثنائية مباشرة لمعالجة الملفات العالقة بينهما.
وتقوم الرؤية الأمريكية على أن تكون هذه المفاوضات جزءًا من مسار أوسع لإنهاء حالة الصراع، وصولًا إلى إقامة علاقات سلمية بين البلدين.
ويعكس ذلك تحولًا في طبيعة المسار، إذ لم تعد واشنطن تتعامل مع الملف باعتباره مجرد محاولة لوقف القتال، وإنما تسعى إلى بناء تسوية طويلة الأمد تتضمن ترتيبات أمنية وسياسية أكثر شمولًا.
ترامب يضغط من أجل اتصال مباشر
وكان ترامب قد دفع خلال الأشهر الماضية باتجاه رفع مستوى التواصل بين بيروت وتل أبيب، وأعلن في أبريل أن الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيتحدثان مباشرة للمرة الأولى منذ عقود.
لكن الاتصال لم يتم في ذلك الوقت، بعدما رفض عون إجراء مكالمة مباشرة مع نتنياهو، في ظل الحساسية السياسية التي تحيط بأي تواصل علني بين لبنان وإسرائيل.
ومع ذلك، لا يزال احتمال إجراء اتصال على مستوى القيادة قائمًا خلال الأشهر المقبلة، خصوصًا مع استمرار الضغوط الأمريكية للدفع بالمسار التفاوضي إلى الأمام.
حزب الله في قلب المعادلة
ويبقى نزع سلاح حزب الله الملف الأكثر تعقيدًا في المفاوضات.
فالولايات المتحدة وإسرائيل تريان أن إنهاء الوجود العسكري لحزب الله خارج مؤسسات الدولة شرط أساسي لإرساء ترتيبات أمنية مستقرة في جنوب لبنان، بينما يواجه هذا الطرح معارضة شديدة من الحزب.
وفي المقابل، تعمل الحكومة اللبنانية على تعزيز دور الجيش وحصر قرار الحرب والسلم والسلاح بالمؤسسات الرسمية، وهو موقف سبق أن أكده مسؤولون لبنانيون في أكثر من مناسبة.
وتشير المعادلة المطروحة إلى أن نزع السلاح سيقترن بانسحاب إسرائيلي تدريجي، بحيث يتولى الجيش اللبناني مسؤولية المناطق التي تخرج منها القوات الإسرائيلية بعد التحقق من عدم وجود بنية عسكرية لحزب الله فيها.
اتفاق يونيو يفتح بابًا أبعد من الهدنة
وتكتسب ترتيبات يونيو أهمية خاصة لأنها تضع تصورًا يتجاوز وقف الأعمال القتالية، نحو معالجة أوسع لجذور النزاع.
وبحسب تفاصيل الإطار، فإن الهدف النهائي يتمثل في إنهاء الصراع وإيجاد مسار لعلاقات سلمية بين لبنان وإسرائيل، مع إمكانية أن تقود المفاوضات مستقبلًا إلى خطوات سياسية أكثر عمقًا.
ويشمل التصور المطروح إمكانية الوصول في مرحلة لاحقة إلى اعتراف متبادل وعلاقات دبلوماسية، فضلًا عن احتمال انضمام لبنان إلى ترتيبات إقليمية مرتبطة باتفاقات إبراهيم، إذا سمحت الظروف السياسية والأمنية بذلك.
تقدم أمني مقابل انسحاب إسرائيلي
وتقوم الخطة على معادلة دقيقة: كلما تمكن الجيش اللبناني من بسط سيطرته على مناطق الجنوب ونزع سلاح الجماعات المسلحة، زادت فرص تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي.
لكن هذه المعادلة تواجه اختبارًا صعبًا على الأرض، إذ لا تزال هناك نقاط خلاف حول حجم الانسحاب الإسرائيلي وآليات التحقق من نزع سلاح حزب الله، فضلًا عن استمرار التوترات الأمنية في الجنوب.
وفي أحدث تطور، أطلقت إسرائيل في 3 سبتمبر سراح لبناني محتجز لديها وسلمته إلى لبنان عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في خطوة جاءت ضمن تفاهم توسطت فيه الولايات المتحدة، فيما يتوقع الإفراج عن محتجزين لبنانيين آخرين. واعتُبرت الخطوة مؤشرًا محدودًا على إمكانية تحقيق تقدم في الملفات الإنسانية والأمنية، رغم استمرار الخلافات الأساسية.
واشنطن أمام أصعب اختبار
وتحاول الإدارة الأمريكية دفع الأطراف نحو صيغة تجمع بين مطالب متعارضة؛ فإسرائيل تريد ضمانات أمنية ونزع سلاح حزب الله قبل الانسحاب الكامل، بينما تطالب بيروت بإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي على أراضيها وتعزيز سيادة الدولة.
وفي الوقت نفسه، تعمل دول أوروبية على دعم الجيش اللبناني، مع استعداد أكثر من عشر دول أوروبية للمشاركة في مهمة تهدف إلى تقديم المشورة والتدريب للقوات اللبنانية، بما يساعدها على تنفيذ مهامها الأمنية وتعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها.
وتبقى العقدة الأساسية هي قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ عملية نزع سلاح حزب الله، وهي مسألة شديدة الحساسية سياسيًا وأمنيًا، وقد تحدد مستقبل أي مفاوضات مباشرة بين بيروت وتل أبيب.
وبينما تضغط واشنطن للانتقال إلى مستوى سياسي أعلى، فإن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطًا أولًا بإنجاز الترتيبات الأمنية في الجنوب، وعلى رأسها نزع سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي، قبل أن يصبح الانتقال إلى اتفاق سلام أوسع أمرًا ممكنًا.










