نيودلهي –المنشر_الاخباري
في وقت تتواصل فيه الحرب والتوترات المتصاعدة في غرب آسيا، شهدت العاصمة الهندية نيودلهي اجتماعًا لافتًا جمع شخصيات دينية ومفكرين هنودًا، حمل رسائل تضامن مع الشعب الإيراني وانتقادات حادة للهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران.
وجاء التحرك بالتزامن مع وجود رئيس السلطة القضائية الإيرانية، آية الله غلام حسين محسني إيجئي، في نيودلهي، حيث شارك في اجتماعات مرتبطة بمجموعة بريكس، قبل أن يلتقي عددًا من الشخصيات الدينية والفكرية الهندية لمناقشة تداعيات الحرب والعلاقات التاريخية بين البلدين.
اتهامات إيرانية لواشنطن وتل أبيب
وخلال اللقاء، وجه محسني إيجئي انتقادات شديدة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، متهمًا إياهما بارتكاب جرائم حرب خلال العمليات العسكرية ضد إيران.
وقال المسؤول الإيراني إن استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يمثل جانبًا خطيرًا من الحرب، داعيًا القيادات الدينية والشخصيات المؤثرة في مختلف أنحاء العالم إلى التحرك من أجل السلام والعدالة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار طهران في تقديم الحرب باعتبارها مواجهة ضد ما تصفه بالعدوان الأمريكي والإسرائيلي، بينما تؤكد واشنطن وتل أبيب أن عملياتهما العسكرية تستهدف إضعاف القدرات الإيرانية.
أصوات هندية من قلب نيودلهي
وشارك في اللقاء عدد من الشخصيات الدينية والفكرية الهندية، التي عبرت عن تضامنها مع الشعب الإيراني في ظل تداعيات الحرب.
كما شهدت الفعاليات لقاءات مع شخصيات دينية من إقليم كشمير، حيث استُحضرت معاناة المدنيين الإيرانيين والضحايا الذين سقطوا خلال الهجمات.
ويمنح هذا التحرك أهمية سياسية خاصة، لأنه يأتي في دولة تربطها علاقات تاريخية وثقافية وتجارية عميقة بإيران، وفي الوقت نفسه تعد من الشركاء المهمين للولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيطين الهندي والهادئ.
الهند بين إيران وأمريكا
وتواجه نيودلهي معادلة دقيقة في تعاملها مع الحرب.
فالهند طورت خلال السنوات الماضية شراكة استراتيجية متنامية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه حافظت على علاقات مستقلة مع إيران، خصوصًا في مجالات الطاقة والتجارة والنقل والبنية التحتية.
ولهذا تتجنب الحكومة الهندية عادةً الانحياز العسكري المباشر إلى أي طرف في الصراع، وتدفع باتجاه الحوار والدبلوماسية باعتبارهما الطريق لتسوية الأزمات الإقليمية.
وقد شدد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي في لقاء سابق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على ضرورة إعطاء الأولوية للحوار والدبلوماسية، إلى جانب التأكيد على حماية المدنيين وحرية الملاحة والتجارة.
تشابهار.. المصالح الهندية في قلب الحسابات
ولا يمكن فصل موقف الهند عن مصالحها الاستراتيجية مع إيران.
ويأتي ميناء تشابهار في مقدمة هذه المصالح، إذ يمثل مشروعًا مهمًا لنيودلهي للوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، وتطوير طرق تجارية لا تعتمد على الأراضي الباكستانية.
لكن استمرار الحرب يضع هذه المشاريع أمام تحديات كبيرة، خصوصًا إذا امتدت الاضطرابات إلى طرق الملاحة والطاقة والنقل في المنطقة.
كما أن أي ارتفاع كبير في أسعار النفط أو تعطّل الإمدادات القادمة من الخليج يمكن أن يضغط على الاقتصاد الهندي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.
مضيق هرمز يزيد المخاوف
وتزداد حساسية الموقف الهندي بسبب أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى حركة النفط والتجارة العالمية.
فأي مواجهة عسكرية واسعة حول المضيق يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة، وتنعكس بصورة مباشرة على الدول الآسيوية المستوردة للنفط.
ولهذا تركز نيودلهي على ضرورة ضمان استمرار حركة التجارة والملاحة، بالتوازي مع دعوتها إلى إنهاء التصعيد عبر الوسائل الدبلوماسية.
تضامن شعبي لا يعني تحالفًا عسكريًا
ورغم أن اجتماع نيودلهي حمل رسالة واضحة بالتضامن مع إيران، فإنه لا يعني أن الهند قررت الانضمام إلى الجانب الإيراني في الحرب.
فالتحرك الذي شهدته العاصمة الهندية شاركت فيه شخصيات دينية وفكرية، بينما لا تزال السياسة الرسمية الهندية قائمة على الدعوة إلى خفض التصعيد والحوار.
وهنا تظهر حساسية الموقف الهندي؛ فنيودلهي تريد الحفاظ على شراكتها مع واشنطن، لكنها لا تريد في الوقت نفسه خسارة علاقاتها مع طهران أو تعريض مصالحها الاقتصادية في المنطقة للخطر.
إيران تبحث عن دعم سياسي
بالنسبة إلى طهران، فإن ظهور أصوات متضامنة معها في دولة بحجم الهند يمثل مكسبًا سياسيًا ومعنويًا، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية المفروضة عليها.
وتسعى إيران إلى إبراز أن موقفها لا يواجه معارضة غربية فقط، بل يحظى أيضًا بتعاطف لدى قطاعات من الرأي العام والشخصيات الدينية والسياسية في دول آسيوية.
لكن تأثير هذه التحركات سيظل مرتبطًا بمسار الحرب نفسها، ومدى قدرة الأطراف الدولية على منع اتساعها.
نيودلهي أمام اختبار صعب
ومع استمرار الحرب، تبدو الهند أمام اختبار دبلوماسي واقتصادي متزايد.
فأي توسع في الصراع قد يهدد إمدادات الطاقة ويؤثر في التجارة العالمية، بينما قد يؤدي الانحياز الصريح لأي طرف إلى الإضرار بعلاقات نيودلهي مع الطرف الآخر.
ولهذا يبدو أن الهند ستواصل السير في المسار الأكثر حذرًا: الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، والإبقاء على قنوات التواصل مع إيران، والدفع نحو وقف التصعيد وحماية الملاحة الدولية.
وفي الوقت نفسه، كشفت اجتماعات نيودلهي أن الحرب لم تعد قضية عسكرية محصورة في غرب آسيا، بل تحولت إلى ملف يمتد تأثيره إلى العواصم الآسيوية الكبرى، حيث تتداخل حسابات الأمن والطاقة والتجارة مع التحالفات السياسية.








