اديس أبابا– المنشر الإخباري
تتصاعد المخاوف من عودة الحرب إلى إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، بعد سلسلة من الضربات بالطائرات المسيّرة أثارت اتهامات متبادلة ومخاوف من انزلاق المنطقة مجددًا إلى مواجهة واسعة، بعد نحو أربع سنوات من انتهاء الحرب التي خلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في البلاد.
وتزامن التصعيد مع إلغاء فعاليات رئيسية من مهرجان «أشيندا» الثقافي والديني في مدينة ميكيلي، عاصمة الإقليم، بسبب مخاوف من استهداف التجمعات المدنية بضربات جوية، في مؤشر على ارتفاع مستوى القلق داخل الإقليم.
ضربات مسيّرة تثير اتهامات للحكومة
تقول السلطات في تيغراي وجبهة تحرير شعب تيغراي إن القوات الفيدرالية الإثيوبية تقف وراء عدد من الضربات الجوية الأخيرة، بينما لم تعلن الحكومة المركزية بصورة رسمية مسؤوليتها عن هذه العمليات ولم تقدم تأكيدًا علنيًا بشأنها.
وتشير تقارير محلية إلى أن الضربات طالت مناطق مختلفة في الإقليم، فيما وصل التصعيد إلى مدينة ميكيلي نفسها خلال أغسطس، حيث أفادت السلطات المحلية بإصابة 13 شخصًا، بينهم خمسة أطفال، جراء ضربات استهدفت مناطق داخل المدينة.
وتجعل هذه التطورات مسألة تحديد الجهة التي تنفذ الضربات أكثر تعقيدًا، إذ إن الاتهامات الصادرة عن سلطات تيغراي لم تترافق، حتى الآن، مع إقرار رسمي من الحكومة الفيدرالية.
إلغاء مهرجان «أشيندا» بسبب الخوف من المسيّرات
ويعكس إلغاء مهرجان «أشيندا» حجم المخاوف التي بات يعيشها السكان.
فالمهرجان، الذي يرتبط بالتقاليد الأرثوذكسية ويعد من أبرز المناسبات الثقافية في تيغراي، يجمع عادة آلاف النساء والفتيات في الشوارع والساحات بمدينة ميكيلي، ويشكل مناسبة للاحتفال بالثقافة المحلية والموسيقى والرقص والملابس التقليدية.
لكن السلطات قررت إلغاء التجمع الرئيسي في الملعب بعد الضربات التي شهدتها المدينة، خشية تحول تجمع جماهيري كبير إلى هدف محتمل لهجوم جديد.
وأصبح المهرجان، الذي يفترض أن يكون مناسبة للاحتفال والحياة الطبيعية، رمزًا جديدًا لحالة عدم الاستقرار التي يعيشها الإقليم رغم انتهاء الحرب السابقة.
من أطراف الإقليم إلى قلب ميكيلي
وتكمن خطورة التطورات الأخيرة في أن الضربات لم تعد تقتصر على المناطق الريفية أو القريبة من خطوط التماس، وفق التقارير المتداولة، بل وصلت إلى مناطق داخل العاصمة الإقليمية ميكيلي.
وأفادت مصادر محلية بأن ضربات وقعت في مناطق سكنية وفي محيط جامعة ميكيلي، ما أدى إلى سقوط جرحى وأضرار مادية. وتقول تقارير بحثية إن هذا التطور يمثل تحولًا لافتًا في نمط الضربات، بعدما كانت الهجمات المبلغ عنها في وقت سابق تتركز بصورة أكبر خارج المدينة.
كما تحدثت تقارير لاحقة عن ضربات جديدة في مناطق أخرى من تيغراي، إلا أن تفاصيل بعض هذه الحوادث وحجم الخسائر لم تكن قابلة للتحقق المستقل بصورة كاملة.
شبح الحرب يعود إلى شمال إثيوبيا
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة مخاوف من انهيار الهدوء الذي أعقب اتفاق بريتوريا للسلام المبرم عام 2022 بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، والذي أنهى حربًا استمرت عامين وأوقعت أعدادًا هائلة من الضحايا والنازحين.
وكانت التوترات السياسية والعسكرية قد تصاعدت خلال عام 2026، مع عودة الخلافات بين القيادة الإقليمية والحكومة المركزية وظهور مؤشرات على إعادة تنظيم القوات والتحركات العسكرية.
وتشير تقديرات تحليلية إلى أن المواجهات الأخيرة بين القوات الفيدرالية وقوات مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي تمثل أول احتكاك مسلح كبير بين الطرفين منذ يناير 2026، في ظل تزايد المخاوف من أن يؤدي انهيار الترتيبات السياسية التي أعقبت اتفاق السلام إلى إعادة فتح جبهة الحرب.
المسيّرات.. سلاح حاسم في الحروب الإثيوبية
وتحتل الطائرات المسيّرة موقعًا متزايد الأهمية في القدرات العسكرية الإثيوبية.
فخلال الحرب السابقة في تيغراي، لعبت المسيّرات دورًا مهمًا في دعم القوات الفيدرالية، بعدما استخدمت أديس أبابا طائرات مسيّرة تركية وصينية في عملياتها ضد قوات الإقليم.
وتشير تقارير حديثة إلى أن إثيوبيا عملت خلال السنوات الأخيرة على تطوير قدراتها المحلية في مجال تصنيع الطائرات المسيّرة، إلى جانب امتلاكها طائرات قتالية مسيّرة من طرازات مختلفة.
وتثير هذه القدرات مخاوف إضافية في ظل عودة التوتر إلى تيغراي، إذ يمكن للطائرات المسيّرة أن تمنح القوات الفيدرالية قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى دون الحاجة إلى تحريك قوات برية كبيرة.
اتهامات باستهداف منشآت مدنية
وفي أحدث الاتهامات، قالت جبهة تحرير شعب تيغراي إن ضربات مسيّرة استهدفت منشآت مدنية ومؤسسات عامة في مناطق مختلفة من الإقليم، من بينها مدارس ومرافق أخرى.
لكن هذه الاتهامات لم تحصل جميعها على تأكيد مستقل، فيما تواصل الحكومة الفيدرالية عدم الإعلان بشكل واضح عن مسؤوليتها عن العمليات الجوية المنسوبة إليها.
ويزيد غياب المعلومات الرسمية المستقلة من صعوبة تحديد طبيعة الأهداف العسكرية التي تقف وراء هذه الضربات، وما إذا كانت العمليات تستهدف تشكيلات مسلحة بالفعل أم أنها تسببت في أضرار جانبية بين المدنيين.
مخاوف من توسع الصراع
ولا تقتصر المخاوف على احتمال عودة المواجهة بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي، إذ تتداخل الأزمة مع توترات إقليمية أوسع تشمل الحدود مع إريتريا والمناطق المتنازع عليها بين أقاليم شمال إثيوبيا.
وتحذر جهات دولية من السفر إلى تيغراي في ظل الاشتباكات والضربات الجوية المبلغ عنها، فيما تشير التحذيرات الرسمية البريطانية إلى وقوع مواجهات في الإقليم وورود تقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة وسقوط مدنيين.
ومع استمرار الضربات وغياب تسوية سياسية جديدة، يخشى سكان تيغراي أن تتحول المرحلة الحالية من مجرد توترات متقطعة إلى حرب جديدة أكثر اتساعًا.
تيغراي أمام اختبار جديد
وبعد سنوات قليلة فقط من الحرب المدمرة التي انتهت باتفاق سلام، يجد إقليم تيغراي نفسه مجددًا أمام وضع أمني شديد الحساسية.
فالضربات الجوية، والتوتر السياسي، والتحركات العسكرية، إلى جانب المخاوف المرتبطة بالحدود، كلها عوامل تجعل احتمالات التصعيد قائمة، بينما لا تزال مسؤولية بعض الهجمات الأخيرة غير محسومة بصورة مستقلة.
وفي ظل استمرار التوتر، باتت الطائرات المسيّرة جزءًا من المشهد اليومي في شمال إثيوبيا، فيما يخشى السكان أن تتحول الضربات غير المعلنة إلى مقدمة لجولة جديدة من الحرب التي لم تلتئم جراحها بالكامل بعد.










