طهران – المنشر الإخباري
بعد سنوات من التراجع الحاد في هجمات القرصنة قبالة السواحل الصومالية، بدأت الظاهرة تعود بقوة إلى خليج عدن والمحيط الهندي، مستفيدة من الاضطرابات الأمنية التي تعصف بالمنطقة وتراجع التركيز الدولي على مكافحة القرصنة، في ظل انشغال القوات البحرية بأزمات أخرى، أبرزها الحرب الدائرة حول إيران والتوتر المتصاعد في البحر الأحمر.
وتشير بيانات المنظمة البحرية الدولية إلى أن ست سفن تجارية كانت محتجزة لدى القراصنة بحلول أواخر أغسطس، مع وجود أكثر من 90 بحارًا في الأسر، في مؤشر على عودة خطر كانت القوات الدولية قد نجحت في الحد منه بصورة كبيرة خلال العقد الماضي.
عودة القرصنة بعد سنوات من الهدوء
وعلى الرغم من أن إجمالي حوادث القرصنة والسطو المسلح على السفن عالميًا تراجع خلال النصف الأول من عام 2026 إلى أدنى مستوى منذ عام 1992، فإن هذا التراجع أخفى تطورًا مقلقًا في المياه المحيطة بالصومال.
فقد سجلت 38 حادثة فقط عالميًا خلال الأشهر الستة الأولى من العام، مقارنة بـ90 حادثة في الفترة نفسها من عام 2025 و60 حادثة في عام 2024، إلا أن القراصنة الصوماليين كانوا مسؤولين عن النسبة الأكبر من البحارة الذين تعرضوا للاحتجاز.
ومع دخول الصيف، تصاعدت الهجمات في خليج عدن والمياه القريبة من القرن الأفريقي، وبدأت عمليات الاختطاف تمتد إلى مسافات أبعد من الساحل الصومالي.
ست سفن وأكثر من 90 بحارًا
وفي أغسطس، حذرت المنظمة البحرية الدولية من خطورة الوضع بعدما أصبحت ست سفن تجارية في قبضة القراصنة، مؤكدة أن أكثر من 90 بحارًا باتوا محتجزين في ظروف شديدة الخطورة.
وقالت المنظمة إن السفن المحتجزة شملت «هونر 25» و«سورد» و«يوريكا» و«أسانا» و«لوتوف» و«سي مول»، فيما دعت إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن أفراد الأطقم المحتجزين.
وأظهرت التطورات كذلك أن القراصنة لم يعودوا يعتمدون فقط على القوارب الصغيرة للاقتراب من أهدافهم، بل بدأوا في استخدام سفن مختطفة كمنصات انطلاق لتنفيذ عمليات جديدة، وهو تكتيك يوسع قدرتهم على الوصول إلى سفن بعيدة عن الشاطئ.
سفن مختطفة تتحول إلى «سفن أم»
ومن أبرز المؤشرات على تطور أساليب القراصنة استخدام السفينة «سورد» بعد اختطافها كمنصة لمهاجمة سفينة أخرى هي «لوتوف».
وتكشف هذه الطريقة عن تحول في قدرات مجموعات القرصنة، إذ أصبح بإمكانها الاستيلاء على سفينة تجارية ثم استخدامها للوصول إلى مناطق بحرية أبعد، بدلًا من الاعتماد على القوارب السريعة محدودة المدى.
وتؤكد تقارير بحرية أن استخدام السفن المختطفة بهذه الطريقة يمثل تحديًا جديدًا للقوات البحرية وشركات الشحن، لأنه يجعل اكتشاف الهجوم والتنبؤ بمساره أكثر صعوبة.
حرب إيران تفتح فراغًا أمنيًا
ويربط محللون عودة القرصنة بالاضطرابات العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة.
فالحرب المرتبطة بإيران والتصعيد في البحر الأحمر وخليج عدن دفعا القوات البحرية الدولية إلى إعادة توزيع جزء من قدراتها لمواجهة تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات على السفن، وهو ما خلق ثغرات أمنية يمكن للقراصنة استغلالها.
كما أدى اضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر إلى تغيير مسارات عدد من السفن التجارية، الأمر الذي أعاد تشكيل حركة المرور البحري في المنطقة وأوجد فرصًا جديدة أمام الجماعات الإجرامية لاستهداف السفن.
ويحذر خبراء الأمن البحري من أن استمرار الصراعات الإقليمية قد يمنح القراصنة مساحة أكبر للتحرك، خصوصًا إذا استمر تراجع الدور الدولي المباشر في مكافحة القرصنة قبالة الصومال.
هل يستفيد الحوثيون من عودة القراصنة؟
وتذهب بعض التحليلات إلى احتمال وجود صلات غير مباشرة بين التطورات في البحر الأحمر وعودة القرصنة الصومالية.
ويشير خبراء في الأمن البحري إلى احتمال انتقال بعض الخبرات والتقنيات المستخدمة في الهجمات البحرية إلى مجموعات القرصنة، خصوصًا مع وجود شبكات تهريب تمتد بين اليمن والصومال عبر خليج عدن.
لكن هذه الروابط لا تعني بالضرورة وجود تحالف مباشر بين القراصنة وجماعة الحوثيين، ولا توجد أدلة مستقلة كافية تثبت أن عودة القرصنة جرى تنسيقها بصورة مباشرة مع أي طرف في الصراع الإقليمي.
وتظل هذه المسألة في إطار تقديرات وتحذيرات الخبراء، بينما المؤكد هو أن نطاق الهجمات البحرية اتسع وأن القراصنة باتوا يعملون في مناطق أبعد عن السواحل الصومالية.
فدية بملايين الدولارات
وتشكل الفدى المالية أحد المحركات الرئيسية لاستمرار القرصنة.
فكل عملية اختطاف ناجحة توفر للجماعات المسلحة موارد مالية يمكن استخدامها لشراء القوارب والأسلحة والوقود وأجهزة الاتصالات وتجنيد مزيد من العناصر، بما يسمح بإعادة تدوير الأموال داخل منظومة القرصنة.
وفي حالة السفينة «لوتوف»، أثارت عملية تحريرها في نهاية أغسطس جدلًا بشأن احتمال دفع فدية، بينما أعلنت الحكومة الصومالية أن قواتها شاركت في العملية التي أدت إلى تحرير السفينة.
وأكدت مقديشو في بيان رسمي صدر في السادس من سبتمبر أنها تواصل العمل ضد شبكات القرصنة في البحر والبر، وأنها لن تسمح بتحول المياه الصومالية إلى ملاذ للجريمة البحرية.
الصومال: المشكلة أكبر من ضعف الدوريات
وتقول الحكومة الصومالية إن عودة القرصنة لا يمكن تفسيرها فقط بضعف القدرات البحرية.
فالساحل الصومالي من أطول السواحل في أفريقيا، ما يجعل مراقبته بالكامل مهمة معقدة، في وقت لا تزال فيه قدرات خفر السواحل والقوات البحرية في طور التطوير.
لكن المشكلة ترتبط كذلك بالفقر في المجتمعات الساحلية، والصيد غير القانوني، وشبكات الجريمة المنظمة، وتهريب الأسلحة والبشر، إلى جانب ضعف الرقابة على المناطق البحرية.
وترى مقديشو أن مواجهة القرصنة تتطلب دعمًا دوليًا منسقًا، بدلًا من إنشاء ترتيبات أمنية منفصلة قد تؤدي إلى تداخل الصلاحيات وخلق فجوات في تبادل المعلومات.
خليج عدن أمام خطر جديد
ويكتسب التصعيد أهمية خاصة بسبب الموقع الاستراتيجي لخليج عدن، الذي يمثل أحد الممرات البحرية الرئيسية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وأي ارتفاع مستمر في عمليات الاختطاف قد يدفع شركات الشحن إلى إعادة تقييم المخاطر والتكاليف، وربما تغيير مسارات السفن، وهو ما يضيف أعباء جديدة على التجارة العالمية التي تعاني أصلًا من اضطرابات متزايدة في المنطقة.
كما أن استمرار احتجاز البحارة يرفع الضغوط على الحكومات والمنظمات الدولية للتدخل من أجل حماية أطقم السفن وضمان سلامة الملاحة.
هل تعود «سنوات القراصنة»؟
قبل أكثر من عقد، كانت القرصنة الصومالية تمثل أحد أكبر التهديدات التي تواجه التجارة البحرية العالمية، قبل أن تؤدي الدوريات الدولية والإجراءات الأمنية على متن السفن والعمليات العسكرية إلى خفض الهجمات بصورة كبيرة.
لكن التطورات الحالية تثير سؤالًا جديدًا: هل تعود المنطقة إلى مرحلة القرصنة الواسعة؟
المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة تكرار ذروة القرصنة التي شهدتها الصومال سابقًا، لكنها تكشف عن قدرة الشبكات المسلحة على استغلال أي فراغ أمني بسرعة.
ومع استمرار الحرب والتوتر في البحر الأحمر وخليج عدن، واحتجاز سفن وبحارة، وتوسع نطاق العمليات بعيدًا عن الساحل، تبدو مواجهة القرصنة بحاجة إلى تحرك دولي منظم قبل أن تتحول الظاهرة مجددًا إلى أزمة بحرية عالمية.










