الرياض- المنشر_الاخباري
سجل إنتاج السعودية من النفط الخام تراجعًا حادًا خلال أغسطس، ليهبط إلى أدنى مستوى له منذ عقود، في ظل تداعيات الحرب الأميركية على إيران والاضطرابات التي ضربت طرق شحن النفط والمنشآت الحيوية في منطقة الخليج والبحر الأحمر.
وبحسب البيانات التي أبلغت بها السعودية منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، بلغ إنتاج المملكة في أغسطس نحو 6.24 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ8.1 مليون برميل يوميًا في يوليو، بانخفاض يقارب 1.9 مليون برميل يوميًا خلال شهر واحد. ويعد هذا المستوى الأدنى للإنتاج السعودي منذ عام 1990.
تراجع مفاجئ بعد قفزة يوليو
ويأتي الانخفاض بعد ارتفاع كبير في الإنتاج السعودي خلال يوليو، عندما وصل إلى نحو 8.1 مليون برميل يوميًا، مقارنة بنحو 7.1 مليون برميل يوميًا في يونيو.
لكن هذا التعافي انعكس بصورة حادة خلال أغسطس، في وقت كانت فيه السعودية ودول أخرى في تحالف «أوبك+» تمضي في خطط لزيادة الإنتاج، ما يعكس حجم الضغوط التي واجهتها صناعة النفط السعودية خلال الشهر الماضي.
وتشير البيانات إلى أن السعودية أبلغت «أوبك» أيضًا بأنها زودت السوق بنحو 7.122 مليون برميل يوميًا في أغسطس، وهو رقم أعلى من الإنتاج المعلن البالغ 6.238 مليون برميل يوميًا. ويعكس الفرق بين الرقمين اختلافًا بين مفهوم الإنتاج والكميات التي تصل فعليًا إلى السوق، والتي يمكن أن تشمل السحب من المخزونات.
الحرب تعطل طرق النفط
ويأتي هذا التراجع في وقت تواجه فيه السعودية اضطرابات متزايدة على مسارات تصدير النفط، خصوصًا في ظل التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية على إيران وتراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز.
ويعد المضيق أحد أهم ممرات الطاقة عالميًا، وقد شهدت حركة السفن عبره تراجعًا حادًا، إذ أظهرت بيانات تتبع أولية أن عدد السفن التي عبرته انخفض إلى 7 سفن في أحد أيام هذا الأسبوع، مقابل 12 في اليوم السابق ومتوسط بلغ 14 سفينة خلال عشرة أيام.
وتزامن ذلك مع تصاعد المخاطر على طرق الشحن البديلة التي تعتمد عليها السعودية لتجاوز المضيق، وفي مقدمتها الطريق الممتد عبر البحر الأحمر وميناء ينبع.
البحر الأحمر يضيف أزمة جديدة
وتعرضت حركة النفط السعودية عبر البحر الأحمر لضغوط إضافية خلال أغسطس، مع تصاعد الهجمات التي طالت سفنًا ومنشآت مرتبطة بالسعودية.
ووفق بيانات تتبع السفن، تراجعت تحميلات الخام والمكثفات من ميناء ينبع خلال أغسطس، قبل أن تبدأ في التعافي خلال سبتمبر.
وقدرت شركة Vortexa تحميلات الخام والمكثفات من ينبع في أغسطس بنحو 3.2 مليون برميل يوميًا، بينما وضعت شركة Kpler التقدير عند نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، في فارق يعكس اختلاف منهجيات الرصد، لكنه يؤكد في الوقت نفسه حجم الاضطراب الذي أصاب مسار التصدير السعودي عبر البحر الأحمر.
وبحلول مطلع سبتمبر، أظهرت البيانات مؤشرات على تحسن التدفقات من ينبع، إذ قدرت Vortexa التحميلات بنحو 3.7 مليون برميل يوميًا، بينما رفعتها Kpler إلى نحو 2.9 مليون برميل يوميًا.
وكالة الطاقة الدولية ترسم صورة أكثر قتامة
ولم يقتصر رصد التراجع على بيانات السعودية المرسلة إلى «أوبك».
فقد قالت وكالة الطاقة الدولية إن إمدادات السعودية من الخام هبطت في أغسطس إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة عقود.
وبحسب الوكالة، تراجع المعروض السعودي بنحو 2.3 مليون برميل يوميًا مقارنة بيوليو، مع عزو الانخفاض إلى هجمات طالت منشآت وعمليات شحن مرتبطة بقطاع الطاقة السعودي، بما في ذلك هجمات على سفن قرب باب المندب ومنطقة ينبع ومنشأة بقيق لمعالجة النفط.
كما خفضت الوكالة توقعاتها لإمدادات الخام السعودي خلال عام 2026 بنحو 885 ألف برميل يوميًا إلى 7.6 مليون برميل يوميًا، مشيرة إلى تأخر تعافي إنتاج منطقة الخليج من تداعيات الأزمة.
النفط يتجاوز 100 دولار
وتأتي الصدمة التي أصابت الإنتاج والإمدادات السعودية في وقت تشهد فيه أسواق النفط العالمية واحدة من أكثر فترات التقلب حدة.
وارتفع خام برنت إلى أكثر من 100 دولار للبرميل، فيما سجل خام غرب تكساس الوسيط مستويات تقترب من هذا الحاجز، وسط مخاوف من استمرار اضطرابات الإمدادات وطرق الشحن في المنطقة.
ورغم تراجع أسعار النفط في تعاملات الجمعة، ظلت الأسعار متجهة لتحقيق مكاسب أسبوعية تتجاوز 8%، في ظل استمرار المخاوف بشأن مستقبل الإمدادات من الشرق الأوسط. كما تجاوز متوسط سعر الديزل في الولايات المتحدة 6 دولارات للغالون للمرة الأولى، وفق بيانات نقلتها رويترز.
ضغوط على أكبر منتجي النفط
ويضع التراجع الحاد في الإنتاج السعودي سوق الطاقة أمام تطور بالغ الحساسية، بالنظر إلى الوزن الذي تمثله المملكة في إنتاج النفط العالمي وقدرتها التقليدية على تعويض جزء من نقص الإمدادات.
وتزامن انخفاض الإنتاج السعودي مع تراجع إنتاج عدد من أعضاء «أوبك»، ما يزيد من حساسية السوق لأي اضطرابات إضافية في الخليج أو البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، لا تزال قدرة السعودية على استخدام طرق التصدير البديلة، وعلى رأسها خط الأنابيب الممتد من المنطقة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، عنصرًا رئيسيًا في تحديد مدى تأثير اضطرابات مضيق هرمز على صادرات المملكة.
ومع استمرار الحرب والتوترات التي تطال ممرات الشحن والمنشآت النفطية، يظل السؤال الأهم بالنسبة للأسواق هو: هل يمثل تراجع أغسطس صدمة مؤقتة يمكن احتواؤها، أم بداية أزمة أطول لإمدادات النفط السعودي؟
فإذا استمرت القيود على طرق التصدير والمنشآت، فإن تقلص المعروض من أحد أكبر منتجي النفط في العالم قد يضيف مزيدًا من الضغوط إلى أسعار الخام، ويدفع أسواق الطاقة العالمية إلى مرحلة جديدة من عدم اليقين.










