الرياض- المنشر_الاخباري
تواجه السعودية مرحلة جديدة من الضغوط مع اتساع نطاق المواجهة مع جماعة الحوثيين في اليمن، في وقت تتراجع فيه مساحة المناورة أمام الرياض، وسط غياب دعم مباشر من عدد من الحلفاء الذين كانت تعوّل عليهم المملكة في مواجهة التطورات العسكرية المتسارعة.
ويأتي ذلك بينما تمكن الحوثيون من تحقيق تقدم ميداني على الساحل الغربي لليمن، والوصول إلى مناطق استراتيجية بالقرب من مضيق باب المندب، في تطور يضيف بُعدًا جديدًا للتهديد الذي تواجهه السعودية، سواء على المستوى الأمني أو فيما يتعلق بطرق تصدير النفط وحركة الملاحة في البحر الأحمر.
وبحسب تحليل نشره موقع «ميدل إيست آي»، فإن الرياض باتت أمام «أوراق قليلة» يمكن استخدامها في مواجهة الحوثيين، خصوصًا مع عدم رغبة السعودية في العودة إلى حرب شاملة داخل اليمن بمفردها، وبعدما ابتعد عدد من الشركاء الإقليميين والدوليين عن الانخراط المباشر في القتال.
وتتزامن هذه التطورات مع تصعيد حوثي طال الأراضي السعودية، بما في ذلك هجمات بطائرات مسيرة وصواريخ، الأمر الذي يضع الرياض أمام معادلة صعبة: فهي مطالبة بحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب الانجرار إلى حرب واسعة جديدة داخل اليمن.
هجوم قرب مكة يرفع مستوى التوتر
وتصاعدت حدة التوتر بعدما أعلنت السعودية اعتراض طائرة مسيرة قالت إنها أطلقتها جماعة الحوثيين باتجاه منطقة مكة. وقالت السلطات السعودية إن الطائرة جرى إسقاطها قبل وصولها إلى المدينة، بينما نفت جماعة الحوثيين أن تكون قد استهدفت مكة.
وتضيف هذه الحادثة بعدًا حساسًا للمواجهة، نظرًا إلى المكانة الدينية للمدينة، فضلًا عن أنها تأتي في وقت تتزايد فيه المخاوف السعودية من اتساع نطاق الهجمات الحوثية.
ولا تزال الروايات المتبادلة بشأن بعض تفاصيل الهجوم بحاجة إلى تحقق مستقل، إلا أن التطور يعكس اتساع رقعة التوتر بين الطرفين، بعدما كانت المواجهات تتركز بصورة أكبر على الحدود السعودية واليمنية والمواقع العسكرية.
السعودية أمام جبهة يمنية أكثر تعقيدًا
وتكمن المشكلة الأساسية بالنسبة للرياض في أن التقدم الحوثي لم يعد مقتصرًا على شن هجمات بعيدة المدى، بل بات مرتبطًا بتحولات على الأرض داخل اليمن.
فقد تمكن الحوثيون، وفق تقارير حديثة، من التقدم على طول الساحل المطل على البحر الأحمر والسيطرة على مواقع وجزر قريبة من باب المندب، وهو ما يمنح الجماعة موقعًا أكثر أهمية على أحد أبرز الممرات البحرية في المنطقة.
ويمثل باب المندب أهمية خاصة للسعودية، خصوصًا في ظل اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، إذ تعتمد الرياض بدرجة أكبر على المسارات الغربية لتصدير جزء من إنتاجها النفطي إلى الأسواق العالمية.
وبالتالي، فإن أي تهديد مستمر للملاحة في البحر الأحمر يمكن أن يتحول من مشكلة عسكرية يمنية إلى قضية اقتصادية مباشرة بالنسبة للسعودية.
انهيار حلفاء الرياض يزيد المأزق
ويركز التحليل الأصلي على نقطة أساسية تتمثل في تراجع قدرة القوات اليمنية المدعومة من السعودية على وقف التقدم الحوثي.
فالقوات المناهضة للحوثيين داخل اليمن تعاني من انقسامات سياسية وعسكرية، كما أن بعض القوى المحلية لديها حسابات مختلفة عن حسابات الرياض، وهو ما يجعل بناء جبهة موحدة في مواجهة الحوثيين أمرًا بالغ الصعوبة.
وتشير رويترز إلى أن التقدم الحوثي الأخير كشف عن مشكلات متعددة، من بينها الانقسامات بين الفصائل المناهضة للجماعة، وضعف الاستعداد السعودي، ومحدودية الدعم الجوي، فضلًا عن عدم تقدير حجم الاستعدادات التي أجراها الحوثيون.
كما أدى انسحاب بعض القوات المدعومة من السعودية إلى ترك كميات من الأسلحة الأمريكية والسعودية المتطورة في مناطق سيطر عليها الحوثيون، وهو ما قد يوفر للجماعة موارد عسكرية ومعلومات إضافية عن خصومها، بحسب مصادر تحدثت إليها رويترز.
ماذا عن الولايات المتحدة؟
تزداد صعوبة الموقف السعودي مع عدم وضوح مدى استعداد الولايات المتحدة لتقديم دعم عسكري مباشر للرياض في اليمن.
وبحسب مصادر غربية نقلت عنها رويترز، فإن الولايات المتحدة ودولًا أوروبية لم تبدِ استعدادًا لتقديم دعم عسكري مباشر لمواجهة التقدم الحوثي، كما لم تنضم تلك الدول إلى تحالف بحري تقوده السعودية.
ويمثل ذلك تطورًا مهمًا بالنسبة للرياض، التي اعتمدت لعقود على الشراكة الأمنية مع واشنطن كأحد ركائز أمنها الإقليمي.
لكن التطورات الحالية تشير إلى أن الولايات المتحدة قد لا تكون مستعدة لخوض مواجهة جديدة داخل اليمن بالنيابة عن السعودية، خصوصًا في ظل اتساع نطاق الصراع الإقليمي وتعدد الجبهات.
هل تعود السعودية إلى الحرب الشاملة؟
يبقى الخيار العسكري مطروحًا أمام الرياض، لكنه ليس بالضرورة خيارًا سهلًا.
يمكن للسعودية تكثيف الضربات الجوية ودعم القوات المناهضة للحوثيين، أو محاولة إعادة تنظيم الفصائل المحلية واستعادة بعض المواقع التي خسرتها خلال الهجوم الأخير.
لكن العودة إلى حرب واسعة تحمل مخاطر كبيرة، خصوصًا أن السعودية سبق أن خاضت سنوات من العمليات العسكرية في اليمن دون تحقيق حسم نهائي للصراع.
ولهذا، تبدو الرياض أمام معضلة واضحة: الضغط العسكري قد يكون ضروريًا لوقف تقدم الحوثيين، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى تصعيد الهجمات على الأراضي السعودية والمنشآت النفطية والموانئ.
أما التدخل البري المباشر، فيظل أكثر الخيارات كلفة وتعقيدًا، في ظل طبيعة الحرب اليمنية وتجارب القوى الإقليمية والدولية التي تدخلت فيها خلال العقود الماضية.
ورقة التفاوض تظل قائمة
في المقابل، لا يغيب المسار السياسي عن الحسابات السعودية.
فالرياض سبق أن اتجهت خلال السنوات الماضية إلى خفض مستوى المواجهة مع الحوثيين، والدخول في مسارات تفاوضية هدفت إلى تثبيت التهدئة على الحدود وإنهاء الحرب أو تقليص نطاقها.
لكن الوضع الحالي أكثر تعقيدًا، بعدما حقق الحوثيون مكاسب ميدانية جديدة، ما يمنحهم أوراقًا إضافية على طاولة أي مفاوضات مقبلة.
ومن بين القضايا التي يمكن أن تكون محل تفاوض أمن الحدود السعودية، وفتح الموانئ والمطارات، ومستقبل القوات المناهضة للحوثيين، إضافة إلى وضع الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
غير أن أي تسوية قد تتطلب من الرياض التعامل مع واقع ميداني تغير بصورة كبيرة، وهو ما يجعل التوصل إلى اتفاق مقبول لجميع الأطراف أكثر صعوبة.
خيارات قليلة أمام الرياض
وفي نهاية المطاف، لا يعني الحديث عن محدودية الخيارات أن السعودية لا تملك أدوات للرد، بل يشير إلى أن كل أداة متاحة تحمل تكلفة ومخاطر.
فالخيار العسكري قد يوقف جزءًا من التقدم الحوثي لكنه قد يفتح جولة جديدة من التصعيد، بينما يحمل التدخل البري مخاطر أكبر. أما الاعتماد على القوات اليمنية المحلية، فقد اصطدم حتى الآن بالانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وفي المقابل، يوفر التفاوض فرصة لتقليل التصعيد، لكنه يأتي في وقت يمتلك فيه الحوثيون أوراقًا ميدانية أقوى من السابق.
وتخلص التحليلات إلى أن السعودية قد تجد نفسها مضطرة إلى الجمع بين الضغط العسكري المحدود والتحرك السياسي، بدلًا من العودة إلى حرب شاملة، خصوصًا في ظل تراجع استعداد الحلفاء للتدخل المباشر.
ومع استمرار تقدم الحوثيين نحو مناطق استراتيجية مطلة على البحر الأحمر، تصبح خيارات الرياض أكثر ارتباطًا بقدرتها على حماية أراضيها ومنشآتها النفطية وطرق التجارة، وفي الوقت نفسه منع تحول المكاسب الحوثية الأخيرة إلى واقع دائم.
وبذلك، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على السعودية في المرحلة المقبلة: بعد تراجع الحلفاء وتغير موازين القوى داخل اليمن، هل تملك الرياض فعلًا أوراقًا كافية لوقف تقدم الحوثيين دون الانجرار مجددًا إلى حرب طويلة ومكلفة؟










