الرياض- المنشر_الاخباري
في تحول لافت لمسار الحرب اليمنية، تتحرك السعودية باتجاه فتح نافذة للتهدئة مع جماعة الحوثيين، عبر مقترح لوقف القتال لمدة أسبوعين تمهيدًا لمفاوضات مباشرة بين الرياض وقيادة الجماعة، في وقت تتسارع فيه التطورات العسكرية على ساحل البحر الأحمر وتتزايد الضغوط على السعودية.
وتتولى سلطنة عُمان نقل المقترح إلى قيادة الحوثيين في صنعاء، وسط مساعٍ لاستخدام فترة الهدوء المقترحة في بحث الملفات الإنسانية، قبل الانتقال إلى مفاوضات أوسع يمكن أن تفتح الطريق أمام اتفاق شامل.
ولا تزال تفاصيل المبادرة في إطار المعلومات المتداولة، إذ لم تؤكد السعودية رسميًا حتى الآن تقديم المقترح بهذه الصيغة، كما لم يعلن الحوثيون موقفًا نهائيًا بشأنه.
هدنة لمدة أسبوعين.. ماذا تريد الرياض؟
يقوم المقترح على وقف مؤقت للقتال لمدة أسبوعين، تتحول خلاله المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي يركز في مرحلته الأولى على المطالب الإنسانية التي تطرحها جماعة الحوثيين.
وبحسب المعلومات المتداولة، فإن الهدف لا يقتصر على تهدئة مؤقتة، بل استغلال فترة الهدوء لبناء أرضية تسمح بالانتقال إلى اتفاق أوسع في نهاية الهدنة.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه السعودية تصعيدًا متزايدًا من الحوثيين، بالتزامن مع تطورات ميدانية أعادت الحرب اليمنية إلى واجهة التوتر الإقليمي.
لماذا تتحرك السعودية الآن؟
تأتي المبادرة المقترحة في توقيت حساس بالنسبة للرياض، بعدما وسع الحوثيون عملياتهم على ساحل البحر الأحمر، بينما استمرت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على أهداف داخل السعودية.
وتزامن التصعيد مع ضغوط دفاعية متزايدة، إذ طلبت السعودية دعمًا من عدد من الدول لمساعدتها في مواجهة الهجمات الجوية، وفق تقارير نقلت عن مسؤولين مطلعين. وشملت الطلبات فرنسا وباكستان ومصر والمملكة المتحدة.
وتشير هذه التطورات إلى أن المسار العسكري لا يزال يحمل كلفة متزايدة، فيما تظل حماية المنشآت الحيوية والمجال الجوي وأمن الملاحة من أبرز التحديات المطروحة أمام الرياض.
عُمان تعود إلى الواجهة
اختارت السعودية سلطنة عُمان لنقل المقترح إلى الحوثيين، في ظل الدور الذي لعبته مسقط خلال السنوات الماضية كقناة اتصال بين الأطراف المتصارعة.
وتكتسب الوساطة العُمانية أهمية خاصة في ظل غياب قنوات تفاوض مباشرة مستقرة بين السعودية والحوثيين، ما يجعل مسقط حلقة وصل أساسية في أي محاولة لإعادة إطلاق الحوار.
ولا تقتصر التحركات الدبلوماسية في مسقط على السعودية والحوثيين، إذ شهدت العاصمة العُمانية أيضًا خلال الأيام الماضية اتصالات أمريكية مباشرة مع ممثلين عن الجماعة.
واشنطن تتحدث مع الحوثيين خلف الأبواب المغلقة
في تطور منفصل لكنه متزامن، عقد مسؤولون أمريكيون اجتماعًا سريًا مع ممثلين عن الحوثيين في مسقط خلال عطلة نهاية الأسبوع، وفق مصادر نقلت عنها وكالة «رويترز».
وتم اللقاء في السفارة الأمريكية بمسقط بمساعدة الحكومة العُمانية، وجاء بعد تقدم حوثي على ساحل البحر الأحمر.
وبحسب المصادر، أكد ممثلو الحوثيين خلال الاجتماع أنهم لا يعتزمون استهداف السفن الأمريكية، وأنهم ملتزمون بوقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع واشنطن في عام 2025. ولم تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية تفاصيل الاجتماع رسميًا.
البحر الأحمر وباب المندب في قلب الأزمة
ولا ينفصل التحرك السعودي عن المخاوف المتزايدة بشأن أمن البحر الأحمر وباب المندب، إذ إن توسع القتال في المناطق الساحلية اليمنية يضع أحد أهم ممرات التجارة العالمية أمام مخاطر جديدة.
ويمثل باب المندب نقطة اتصال استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وأي اضطراب طويل الأمد في المنطقة يمكن أن ينعكس على حركة السفن التجارية وتدفقات الطاقة والتكاليف المرتبطة بالنقل البحري.
وتزامن التصعيد العسكري مع تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية لمنع اتساع رقعة المواجهة، فيما حاولت أطراف عدة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الحوثيين.
ماذا يريد الحوثيون مقابل التهدئة؟
تمثل الملفات الإنسانية والاقتصادية والسياسية جزءًا أساسيًا من أي مفاوضات محتملة.
وتشمل المطالب التي ارتبطت بالموقف الحوثي خلال مراحل التفاوض السابقة إنهاء الحرب، وتخفيف القيود المفروضة على اليمن، وتحسين تدفق المساعدات، إلى جانب معالجة الملفات الاقتصادية والسياسية المرتبطة بمستقبل البلاد.
وفي المقابل، تسعى السعودية إلى خفض التهديدات القادمة من الأراضي اليمنية وتأمين حدودها ومنشآتها الحيوية، إضافة إلى الحد من المخاطر التي يمكن أن تطال الملاحة في البحر الأحمر.
هل تفتح الهدنة بابًا لاتفاق أكبر؟
إذا تم التوصل إلى هدنة فعلية، فإن الأسبوعين المقترحين قد يتحولان إلى اختبار حقيقي لقدرة الأطراف على الانتقال من المواجهة العسكرية إلى التفاوض المباشر.
لكن الطريق إلى اتفاق شامل لا يزال معقدًا، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية والتباين الكبير حول الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية.
كما أن عدم وجود تأكيد رسمي سعودي حتى الآن يعني أن المبادرة لا تزال في مرحلة الاتصالات والاقتراحات، وليس أمام اتفاق نهائي بين الرياض والحوثيين.
لحظة اختبار جديدة للحرب اليمنية
وتضع التطورات الأخيرة الحرب اليمنية أمام مسار مزدوج: تصعيد ميداني متواصل يقابله تحرك دبلوماسي متسارع.
ففي الوقت الذي تستمر فيه المعارك والهجمات، تتحرك عُمان كقناة اتصال بين الأطراف، فيما تجري واشنطن بدورها اتصالات مباشرة مع الحوثيين.
وفي حال نجحت الجهود في تثبيت هدنة مؤقتة، فقد تشكل تلك الخطوة بداية لمسار تفاوضي جديد، لكن نجاحه سيبقى مرتبطًا بقدرة الأطراف على معالجة الملفات الإنسانية والسياسية والأمنية التي عطلت التوصل إلى تسوية نهائية لسنوات.











