يخيم ملف العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية بين الصين وإيران بظلال ثقيلة على القمة المرتقبة التي تجمع اليوم الخميس بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ في العاصمة الأمريكية واشنطن.
يأتي هذا اللقاء الحاسم في أعقاب تقرير استقصائي واسع النطاق نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”، والذي كشف عن استمرار تدفق شحنات ومكونات تقنية صينية حساسة موجهة مباشرة إلى وزارة الدفاع الإيرانية، رغم المساعي الدبلوماسية المعلنة لخفض التصعيد الإقليمي.
شحنات “مزدوجة الاستخدام” وتوقيتات مثيرة للجدل
واستنادا إلى تحليل دقيق لبيانات الجمارك، أفادت “وول ستريت جورنال” بأن الصين أرسلت نحو 1300 شحنة جوية تضم مكونات مصنفة على أنها “مزدوجة الاستخدام” من بداية العام الجاري وحتى نهاية شهر يونيو الماضي.
وقد سلط التقرير الضوء على توقيتات بالغة الحساسية لتلك الشحنات؛ إذ وصلت إحدى الطائرات المحملة بمكونات إلكترونية دقيقة تستخدم في تصنيع أجزاء الطائرات المسيرة وأنظمة توجيه الصواريخ إلى طهران في اليوم ذاته الذي كانت فيه بكين تروج لجهودها الدبلوماسية الرامية للمساعدة في خفض التصعيد بين واشنطن وطهران.
ولم تتوقف البيانات عند هذا الحد، حيث أظهر التقرير أنه بعد مرور يومين فقط من وصول تلك الشحنة، رصدت البيانات أكثر من 12 شحنة إضافية تحتوى على مكونات تزيد قيمتها الإجمالية على 6 ملايين دولار، وهي معدات قادرة على دعم الصناعات العسكرية الإيرانية بشكل مباشر.
ورغم أن الطبيعة مزدوجة الاستخدام لهذه المكونات لا تثبت بمفردها أنها صنعت حصريا لأغراض عسكرية، إلا أن السجلات الجمركية أكدت بوضوح أن الجهة المستقبلة النهائية كانت وزارة الدفاع الإيرانية، مما يضفي أبعادا سياسية وأمنية خطيرة على هذه التوريدات.
تعقيدات اقتصادية وضغوط سياسية في واشنطن
تضع هذه المعطيات الجديدة ملف طهران في صدارة أولويات القمة الثانية التي تجمع الرئيسين ترامب وشي هذا العام، في وقت تسعى فيه القوتان العظميان إلى إدارة شبكة واسعة ومعقدة من الخلافات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشمل ملفات التجارة الدولية، وقضية تايوان، وتطورات الذكاء الاصطناعي، وسلاسل توريد المعادن النادرة.
وتعد الصين الشريك التجاري والاقتصادي الأبرز لإيران، لا سيما في قطاع الطاقة الحيوي. وتشير تقديرات وكالة “رويترز” إلى أن نحو 90 بالمئة من صادرات النفط الإيرانية تتجه حصريا نحو السوق الصينية، ما يجعل الأخيرة المصدر الرئيسي للعائدات المالية التي تعتمد عليها طهران لتمويل أنشطتها.
وفي واشنطن، تتزايد الدعوات السياسية الحثيثة لاستغلال هذه القمة للضغط على بكين؛ فقد طالبت السيناتور الديمقراطية جين شاهين الرئيس ترامب بضرورة مطالبة نظيره الصيني بوقف ما وصفته بالدعم الاقتصادي والعسكري الموجه لإيران، مشيرة إلى تورط شركات صينية وأخرى تتخذ من هونغ كونغ مقرا لها في توريد مكونات حرجة تدخل في صناعة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة.
معادلة دقيقة بين الضغط والدبلوماسية
في المقابل، تحرص بكين على تقديم نفسها بوصفها طرفا محايدا يسعى إلى التهدئة.
وكان وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، قد دعا خلال محادثات دبلوماسية مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، كلا من واشنطن وطهران إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، والعودة إلى التفاهم المؤقت الذي توصلا إليه في شهر يونيو، فضلا عن استئناف المشاورات السياسية.
يصل الرئيس الصيني إلى القمة بينما يسعى الرئيس الأمريكي إلى الحفاظ على استقرار العلاقات الاقتصادية وتحقيق مكاسب تجارية ملموسة، وهو ما يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة شديدة الدقة تجمع بين ضرورة الضغط على الصين بشأن ملف إيران ومحاولة تفادي فتح جبهة خلاف جديدة مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، مما يجعل قمة اليوم اختبارا حقيقيا لإدارة الملفات الساخنة على الساحة الدولية.










