بغداد- المنشر_الاخباري
دخل العراق في مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة للحصول على استثناءات تسمح لبعض مطاراته باستقبال الرحلات التابعة لشركات الطيران الإيرانية، بعدما أدت العقوبات الأمريكية الجديدة والتهديد بفرض عقوبات ثانوية على مقدمي الخدمات إلى توقف الرحلات الإيرانية في المطارات العراقية.
وقال مكتب الإعلام في رئاسة الوزراء العراقية، السبت، إن بغداد تجري «مباحثات مباشرة» مع الجانب الأمريكي بهدف استثناء عدد من المطارات العراقية من الإجراءات المفروضة على شركات الطيران الإيرانية، بما يتيح استئناف الرحلات لأسباب إنسانية ومدنية.
وأوضح المكتب أن الاستثناءات المطلوبة تستهدف السماح بالرحلات المرتبطة بالعلاج الطبي والتعليم والزيارات الدينية، إلى جانب احتياجات المدنيين، في محاولة لتقليل التداعيات الناجمة عن توقف حركة الطيران بين البلدين.
عقوبات أمريكية توقف حركة الطيران
وتأتي التحركات العراقية بعد إجراءات أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية ضد قطاع الطيران الإيراني، شملت عشرات الأهداف المرتبطة بهذا القطاع، بينها 27 شركة طيران إيرانية.
وترافق ذلك مع تحذير من تعرض المطارات وشركات الوقود ومقدمي خدمات المناولة الأرضية وغيرهم من المتعاملين مع شركات الطيران الخاضعة للعقوبات لإجراءات أمريكية ثانوية.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أعلن أن القيود ستؤثر على قدرة شركات الطيران الإيرانية على العمل دوليًا، فيما باتت شركات الخدمات أمام مخاطر مالية إذا واصلت تقديم خدماتها للطائرات الإيرانية.
وأظهرت التطورات اللاحقة أن تأثير الإجراءات لم يقتصر على شركات الطيران نفسها، بل امتد إلى المطارات وشركات المناولة والخدمات الأرضية التي تحتاج إليها الطائرات الإيرانية لتشغيل رحلاتها.
النجف وأربيل والسليمانية ضمن تداعيات القرار
وكان مطار النجف الدولي من أبرز المطارات المتأثرة، باعتباره وجهة رئيسية للرحلات الإيرانية، خصوصًا في ظل حركة السفر المرتبطة بالزيارات الدينية والعلاج والدراسة.
وأفادت مصادر بأن مطارات النجف وأربيل والسليمانية أوقفت أو علقت الرحلات من وإلى إيران، بينما كانت بغداد قد اتخذت في وقت سابق إجراءات لتعليق الرحلات الإيرانية إليها في ظل الضغوط الأمريكية.
وكانت بغداد قد بحثت في وقت سابق إمكانية تحويل بعض الرحلات الإيرانية من مطار بغداد إلى مطار النجف، قبل أن تتسع تداعيات الإجراءات لتطال المطارات العراقية الأخرى.
بغداد تبحث عن مخرج إنساني
وتحاول الحكومة العراقية من خلال الاتصالات مع واشنطن الحصول على ترتيبات تسمح باستئناف جزء من الحركة الجوية دون أن تتعرض المطارات أو الشركات العراقية للعقوبات الأمريكية.
ويركز الطلب العراقي، وفق بيان مكتب رئيس الوزراء، على الرحلات ذات الطابع الإنساني والمدني، بما في ذلك نقل المرضى والطلاب والزائرين، وهي قطاعات ترتبط بصورة مباشرة بحركة السفر بين العراق وإيران.
وتشير تقارير إلى أن توقف الرحلات تسبب بالفعل في اضطرابات بالنسبة لمسافرين كانوا يعتمدون على الطيران للوصول إلى المستشفيات والمراكز الطبية في إيران، إضافة إلى الزوار والطلاب، بينما اضطر بعض العالقين إلى البحث عن طرق برية طويلة للعودة.
وزير الخارجية: نبحث الملف مع واشنطن
وتأتي هذه المفاوضات في وقت أكد فيه وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن بغداد ستبحث قضية العقوبات مع الولايات المتحدة، في محاولة لإيجاد صيغة تسمح باستمرار الخدمات الجوية مع إيران.
كما نقلت وسائل إعلام عراقية عن السفير العراقي لدى طهران ياسر الحجاج أن بغداد وطهران تجريان اتصالات للبحث عن حلول تسمح باستئناف رحلات شركات الطيران الإيرانية إلى المطارات العراقية.
وتشير هذه التحركات إلى أن بغداد تسعى إلى معالجة الملف عبر التفاوض مع واشنطن، بدل الدخول في مواجهة مباشرة بشأن تطبيق العقوبات.
ضغوط سياسية داخل العراق
في المقابل، أثار تعليق الرحلات الإيرانية انتقادات من قوى وشخصيات سياسية عراقية، خصوصًا أن حركة الطيران بين البلدين ترتبط بملفات اقتصادية ودينية وإنسانية واسعة.
ودعا رئيس الوزراء العراقي الأسبق عادل عبد المهدي إلى التراجع عن قرار تعليق الرحلات، معتبرًا إيران دولة جارة وحليفة وصديقة للعراق.
كما هدد الأمين العام لحركة حزب الله النجباء أكرم الكعبي بتنظيم اعتصامات في المطارات العراقية احتجاجًا على توقف حركة الطيران بين العراق وإيران، مطالبًا باستئناف الرحلات بين البلدين.
وتعكس هذه المواقف حجم الحساسية السياسية التي يثيرها الملف داخل العراق، في ظل علاقات اقتصادية ودينية وأمنية وثيقة بين بغداد وطهران، مقابل استمرار ارتباط العراق بالنظام المالي والعقوبات الأمريكية.
أزمة تتجاوز قطاع الطيران
ولا يتعلق الخلاف بمجرد توقف رحلات جوية، إذ يمتد تأثيره إلى شركات السفر والسياحة والفنادق والنقل والخدمات المرتبطة بالزيارات الدينية والعلاجية.
ويكتسب مطار النجف أهمية خاصة في هذا السياق، نظرًا إلى دوره في استقبال أعداد كبيرة من المسافرين الإيرانيين، فضلًا عن استخدامه من جانب العراقيين المتجهين إلى إيران للزيارة والعلاج والدراسة.
وكانت وكالة رويترز قد وثقت في وقت سابق حالة من عدم اليقين في مطار النجف، مع استمرار الرحلات لفترة وجيزة وسط مخاوف شركات السفر من احتمال توقفها بسبب العقوبات الأمريكية.
بغداد بين واشنطن وطهران
وتضع أزمة الطيران الحكومة العراقية أمام معادلة دقيقة؛ فمن جهة، تسعى بغداد إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران وضمان استمرار حركة المسافرين والتجارة والخدمات المدنية، ومن جهة أخرى، تواجه ضغوطًا أمريكية متزايدة لتطبيق العقوبات على الشركات والجهات التي تتعامل مع شركات الطيران الإيرانية الخاضعة للعقوبات.
ويشير طلب بغداد الحصول على استثناءات محددة إلى محاولة إيجاد مساحة وسط تسمح باستمرار الرحلات ذات الطابع الإنساني والمدني، دون تعريض المطارات والشركات العراقية للعقوبات الأمريكية.
وفي بيانها الأخير، دعت الحكومة العراقية جميع الأطراف إلى الحوار والتفاوض من أجل معالجة الأزمات القائمة بما يخدم مصالح دول المنطقة وشعوبها، في إشارة إلى رغبة بغداد في احتواء تداعيات التصعيد الإقليمي وعدم السماح بتحول ملف الطيران إلى أزمة جديدة بين العراق والولايات المتحدة وإيران.










