لندن – المنشر_الاخباري
تواجه الحكومة البريطانية ضغوطًا متزايدة من ناشطين ومنظمات مدنية يطالبون بإعادة النظر في العلاقة بين شركة التكنولوجيا الأمريكية «بالانتير» وهيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، وسط جدل يتعلق بخصوصية بيانات المرضى ودور الشركة في تقديم تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لجهات حكومية وعسكرية.
وشهدت لندن تحركات احتجاجية شارك فيها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، طالبوا بإنهاء عقد بالانتير مع هيئة الصحة الوطنية، معتبرين أن ارتباط الشركة بجهات عسكرية وأمنية، ولا سيما تعاونها مع الجيش الإسرائيلي، يجعل استخدامها في إدارة وتحليل بيانات المرضى محل اعتراض من جانبهم.
وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت اتسع فيه الجدل داخل بريطانيا حول مستقبل عقد بالانتير مع هيئة الصحة الوطنية، البالغ نحو 330 مليون جنيه إسترليني، والمخصص لتطوير وتشغيل «منصة البيانات الموحدة» التي تهدف إلى ربط وتحليل كميات كبيرة من البيانات الصحية داخل النظام الصحي في إنجلترا.
مخاوف بشأن بيانات المرضى
ويتركز جانب كبير من الاعتراضات على مسألة الثقة في كيفية التعامل مع المعلومات الصحية الحساسة، إذ يخشى منتقدو الصفقة من أن يؤدي إسناد تشغيل منصة البيانات إلى شركة خاصة ذات أنشطة واسعة في مجالات التكنولوجيا والتحليلات إلى زيادة المخاطر المتعلقة بالخصوصية واستخدام البيانات.
وكانت أكثر من 44 ألف حالة اعتراض قانونية قد سُجلت ضد استخدام منصة البيانات التي تديرها بالانتير، وفق بيانات نقلتها صحيفة «الغارديان» في سبتمبر 2026. واستندت الاعتراضات إلى قواعد حماية البيانات التي تتيح للأفراد الاعتراض على استخدام معلوماتهم في ظروف محددة.
وتقول هيئة الخدمات الصحية الوطنية إن البيانات تظل تحت سيطرة النظام الصحي، وإن استخدام المنصة يخضع لشروط وضوابط تعاقدية تتعلق بالسرية وحماية المعلومات.
وفي المقابل، تقول بالانتير إن برنامجها يساعد هيئة الصحة الوطنية في تحسين أداء المستشفيات، وتسريع بعض العمليات والإجراءات الطبية، وتقليل فترات انتظار المرضى، وهي نتائج تستخدمها الشركة للدفاع عن استمرار الشراكة.
ارتباط الشركة بإسرائيل يثير الجدل
ويشكل نشاط بالانتير مع الجيش الإسرائيلي أحد أبرز أسباب الاعتراض من جانب الناشطين المؤيدين للفلسطينيين، إلى جانب تعاون الشركة مع جهات حكومية وأمنية أمريكية.
ويقول المحتجون إن استخدام شركة لها عقود عسكرية وأمنية في إدارة بنية تحتية للبيانات الصحية يثير تساؤلات أخلاقية وسياسية، خصوصًا في ظل الحرب في غزة وما رافقها من انتقادات دولية بشأن استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية.
وفي بريطانيا، سبق أن شارك عاملون في هيئة الصحة الوطنية وناشطون مؤيدون للفلسطينيين في احتجاجات ضد عقد بالانتير، فيما اتسعت الحملة خلال عام 2026 لتشمل منظمات حقوقية وأطباء ومدافعين عن خصوصية البيانات.
انتقادات داخل البرلمان البريطاني
ولا يقتصر الجدل على الناشطين، إذ دعا نواب من حزب العمال والحزب الديمقراطي الليبرالي خلال مناقشات برلمانية إلى إلغاء عقد بالانتير مع هيئة الصحة الوطنية.
واستندت الانتقادات إلى مخاوف تتعلق بثقة المرضى في النظام الصحي، وطريقة إدارة البيانات، إضافة إلى الجدل المرتبط بأنشطة الشركة خارج القطاع الصحي. كما أثار نواب تساؤلات حول ما إذا كان وجود بالانتير في منظومة البيانات الصحية يمكن أن يؤثر في استعداد المواطنين لمشاركة معلوماتهم مع هيئة الصحة الوطنية.
وكانت الحكومة البريطانية قد درست في وقت سابق إمكانية تفعيل بند يسمح بمراجعة العقد أو إنهائه، في ظل تصاعد الانتقادات، بينما دافعت بالانتير عن الاتفاق وأكدت أن برنامجها يعمل تحت سيطرة هيئة الصحة الوطنية.
الحكومة أمام معادلة صعبة
ويضع الجدل الحكومة البريطانية أمام معادلة تجمع بين الحاجة إلى تطوير البنية الرقمية لهيئة الصحة الوطنية وبين المخاوف المتعلقة بثقة الجمهور في الطريقة التي تُدار بها بيانات المرضى.
وتقول وزارة الصحة البريطانية إن منصة البيانات الموحدة تساعد في ربط المعلومات بين المؤسسات الصحية، وتحسين إدارة الموارد وتسريع بعض الخدمات، مؤكدة أن عملية التعاقد تمت من خلال إجراءات تنافسية وأن البيانات تخضع لضوابط تفرضها هيئة الصحة الوطنية.
وفي المقابل، حذرت جهات طبية وحقوقية من أن الجدل المحيط بالانتير قد يؤثر في استعداد المرضى للسماح باستخدام بياناتهم، وهو ما قد ينعكس على مشروعات البحث الصحي وتحليل البيانات على المدى الطويل.
وفي سبتمبر 2026، قال وزير الابتكار الصحي البريطاني جيمس فريث إن حالة عدم الثقة في بالانتير قد تؤثر في مشاركة البيانات اللازمة للأبحاث الصحية، مشيرًا إلى استخدام عشرات الآلاف من الأشخاص آلية الانسحاب الوطنية من مشاركة البيانات خلال الفترة بين مايو ويوليو من العام نفسه.
بالانتير تتمسك بفوائد المنصة
من جهتها، ترفض بالانتير الانتقادات التي تربط وجودها في هيئة الصحة الوطنية بمخاطر مباشرة على المرضى، وتقول إن تقنياتها صُممت لمساعدة المؤسسات الصحية على إدارة المعلومات بصورة أكثر كفاءة.
كما تؤكد الشركة أن استخدام المنصة يخضع لسلطة هيئة الصحة الوطنية، وأن البيانات لا تُستخدم بصورة مستقلة من جانب الشركة خارج الأطر المتفق عليها.
وتقول بالانتير إن التكنولوجيا ساعدت في زيادة عدد العمليات الجراحية وتقليل التأخير في خروج المرضى من المستشفيات، فيما تؤكد هيئة الصحة الوطنية أن المنصة يمكن أن تسهم في تحسين تنسيق الرعاية الصحية وتسريع بعض الإجراءات الطبية.
ويستمر الجدل حاليًا حول ما إذا كانت الفوائد التي تقول الشركة والجهات الصحية إنها تحققت من المنصة كافية لتبرير استمرار العقد، في ظل الاعتراضات المتعلقة بالخصوصية والثقة وعلاقة بالانتير بالمؤسسات العسكرية والأمنية.
ومع استمرار الاحتجاجات والاعتراضات القانونية والسياسية، أصبح مستقبل شراكة بالانتير مع هيئة الصحة الوطنية واحدًا من أبرز ملفات الجدل في بريطانيا حول استخدام شركات التكنولوجيا الخاصة للبيانات العامة والحساسة، في وقت تحاول فيه الحكومة توسيع الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي داخل قطاع الرعاية الصحية.










