القاهرة- المنشر_الاخباري
تصعيد دبلوماسي وعسكري متسارع يضع إثيوبيا وإريتريا ومصر أمام أزمة إقليمية معقدة، وسط تجدد القتال في تيغراي وتزايد التوتر حول الوصول إلى البحر الأحمر ومياه النيل
يشهد القرن الأفريقي واحدة من أكثر مراحله توتراً في السنوات الأخيرة، بعدما تداخلت ثلاثة ملفات شديدة الحساسية في وقت واحد: تجدد القتال في إقليم تيغراي الإثيوبي، والخلافات المتصاعدة بين إثيوبيا وإريتريا حول البحر الأحمر، والتوتر المستمر بين القاهرة وأديس أبابا بشأن مياه النيل وسد النهضة.
وتحولت التوترات خلال الأيام الأخيرة من خلافات سياسية وأمنية متراكمة إلى خطوات دبلوماسية مباشرة، بعدما أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع جارتها. وفي الوقت نفسه، اتخذت إثيوبيا ومصر إجراءات متبادلة بحق دبلوماسيين من البلدين.
قطيعة بين أديس أبابا وأسمرة
أعلنت إثيوبيا أن قرار إغلاق سفارتها في إريتريا وطرد الدبلوماسيين الإريتريين جاء رداً على ما وصفته بـ”أعمال عدائية” مباشرة وغير مباشرة تهدد أمنها القومي.
وأمهلت أديس أبابا عشرة دبلوماسيين إريتريين 48 ساعة لمغادرة البلاد، بينهم القائم بالأعمال وعدد من الدبلوماسيين المعتمدين لدى الاتحاد الأفريقي.
وردت أسمرة بإعلان قطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا، ورفضت الاتهامات الإثيوبية بالتدخل في الشؤون الداخلية أو دعم المعارضة المسلحة، معتبرة أن سياسة أديس أبابا تجاه إريتريا هي التي أدت إلى التصعيد الحالي.
وتأتي القطيعة الجديدة بعد سنوات قليلة فقط من المصالحة التي بدأت عام 2018، عندما أعادت إثيوبيا وإريتريا العلاقات بينهما بعد عقود من العداء والحرب.
لكن التحالف الذي جمع البلدين خلال الحرب الإثيوبية في تيغراي لم يصمد بعد انتهاء القتال، إذ لم تكن إريتريا طرفاً في اتفاق بريتوريا للسلام الموقع عام 2022، بينما تصاعد الخلاف لاحقاً حول مستقبل تيغراي والوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
تيغراي يعود إلى واجهة الحرب
في قلب الأزمة يوجد إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، حيث تجدد القتال بين القوات الحكومية الإثيوبية وقوى مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي.
وتشير التقارير إلى أن الصراع الحالي يمثل أخطر تصعيد منذ انتهاء الحرب التي استمرت بين عامي 2020 و2022، والتي خلفت أعداداً كبيرة من القتلى والنازحين ودماراً واسعاً في المنطقة.
وفي الأيام الأخيرة، تمكنت القوات الحكومية وحلفاؤها من استعادة مدينة ألماتا الاستراتيجية في جنوب تيغراي، بينما حققت القوات المعارضة مكاسب في مناطق أخرى، ما يعكس استمرار تغير خطوط السيطرة على الأرض.
كما امتد القتال إلى منطقة عفر، وسط تقارير عن استخدام الطائرات المسيّرة واتساع نطاق العمليات العسكرية.
وتقول تقارير إن تحالفاً يضم جبهة تحرير شعب تيغراي وعدداً من الجماعات المسلحة الإثيوبية المعارضة للحكومة المركزية أصبح طرفاً رئيسياً في التصعيد الجديد، الأمر الذي يثير مخاوف من تحول الأزمة من صراع محلي إلى مواجهة أوسع داخل إثيوبيا.
اتهامات متبادلة
اتهمت القيادة العسكرية الإثيوبية إريتريا والسودان ومصر بدعم قوى معارضة للحكومة الإثيوبية، بما في ذلك التحالف الذي تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي.
لكن هذه الاتهامات ليست مثبتة بصورة مستقلة، وقد نفت الدول المعنية، ولا سيما إريتريا والسودان، الاتهامات الموجهة إليها.
وتقول أسمرة من جانبها إن إثيوبيا تستضيف وتدعم مجموعات معارضة إريترية، بينما تتهم أديس أبابا إريتريا بالقيام بأنشطة تهدد أمنها. وهكذا تحولت الحدود بين البلدين إلى واحدة من أكثر نقاط التوتر حساسية في المنطقة.
البحر الأحمر.. العقدة الاستراتيجية
يعد الوصول إلى البحر الأحمر أحد أهم أسباب التوتر بين إثيوبيا وإريتريا.
فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد بشكل كبير على الموانئ في الدول المجاورة لتأمين تجارتها الخارجية.
وخلال السنوات الماضية، شدد رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد على أهمية حصول بلاده على منفذ بحري، وهو ما أثار مخاوف في أسمرة من أن تتحول المطالب الإثيوبية إلى تهديد لسيادتها وأمنها.
وتزداد حساسية الملف بسبب الأهمية الاستراتيجية للموانئ الإريترية، ولا سيما ميناء عصب، وموقع إريتريا على البحر الأحمر بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبذلك لم يعد ملف الموانئ قضية اقتصادية بالنسبة إلى أديس أبابا وأسمرة، بل أصبح جزءاً من الحسابات العسكرية والأمنية للبلدين.
مصر تدخل دائرة التصعيد
على الجانب الآخر، تتعامل القاهرة مع إثيوبيا في إطار خلاف طويل الأمد حول سد النهضة ومياه النيل.
وتعتبر مصر أن أمن مواردها المائية قضية استراتيجية، بينما تؤكد إثيوبيا أن السد يمثل مشروعاً أساسياً لتوليد الكهرباء والتنمية الاقتصادية.
ومع تجدد الحرب في شمال إثيوبيا، تداخل ملف مياه النيل مع ملفات الأمن الإقليمي والتحالفات العسكرية والوصول إلى البحر الأحمر.
وفي أحدث مظاهر التوتر، طردت إثيوبيا دبلوماسياً مصرياً، وردت القاهرة بإجراء مماثل ضد دبلوماسي إثيوبي، في خطوة أضافت بعداً جديداً إلى الأزمة.
الاتحاد الأفريقي يحذر من التصعيد
وفي مواجهة هذا التدهور، دعا الاتحاد الأفريقي إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس والامتناع عن أي إجراءات أو تصريحات يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد أو تهدد الاستقرار الإقليمي.
وأكدت مفوضية الاتحاد الأفريقي أهمية الحفاظ على قنوات الاتصال، ودعت الدول الثلاث إلى معالجة خلافاتها من خلال القنوات الدبلوماسية والحوار السلمي.
كما أعلنت المفوضية استعدادها للمساعدة في جهود خفض التصعيد والحوار وتسوية الخلافات بالطرق السلمية.
أين تقف أوروبا؟
أما الاتحاد الأوروبي، فلم يكن غائباً عن المشهد، وإن كان نهجه مختلفاً عن فرض عقوبات شاملة على الحكومة الإثيوبية.
ففي أبريل 2026 أعلن الاتحاد الأوروبي استئناف دعمه للموازنة الإثيوبية بأكثر من 140 مليون يورو، إلى جانب تمويلات تستهدف الطاقة والبنية التحتية والرعاية الصحية وبيئة الأعمال والإصلاحات الاقتصادية.
وقالت المفوضية الأوروبية إن الحزمة تأتي في إطار تعزيز الشراكة الاقتصادية والتنموية مع إثيوبيا ودعم الإصلاحات والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
ويعني ذلك أن توصيف السياسة الأوروبية باعتبارها مجرد “مكافأة” للحكومة الإثيوبية يتجاهل طبيعة البرامج المعلنة وأهدافها، في حين أن استمرار الدعم الأوروبي في ظل تصاعد الصراع يفتح في المقابل نقاشاً حول كيفية الموازنة بين دعم التنمية والضغط السياسي المرتبط بحقوق الإنسان والسلام والاستقرار.
دور الولايات المتحدة ومسعد بولس
وتحاول الولايات المتحدة بدورها الحفاظ على قنوات اتصال مع الأطراف الرئيسية في المنطقة.
وبرز في هذا السياق اسم مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، الذي شارك في اتصالات دبلوماسية مرتبطة بملفات القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وتأتي التحركات الأميركية في وقت تحاول فيه واشنطن منع اتساع نطاق الصراعات الإقليمية، بالتوازي مع اهتمامها بأمن البحر الأحمر والممرات التجارية والاستقرار في شرق أفريقيا.
لكن حجم التوتر الحالي يجعل مهمة أي وسيط أكثر تعقيداً، خصوصاً مع تداخل الملفات الإثيوبية والإريترية والمصرية والسودانية في منظومة أمنية واحدة.
الإمارات ودول الخليج في المشهد
كما تلعب دول الخليج دوراً مهماً في المعادلة الجيوسياسية للقرن الأفريقي والبحر الأحمر، نظراً إلى الاستثمارات والموانئ والعلاقات السياسية والأمنية الممتدة على جانبي البحر الأحمر.
وتبرز الإمارات بصورة خاصة في النقاشات المتعلقة بالنفوذ الإقليمي والموانئ وشبكات التجارة والتحالفات في شرق أفريقيا.
لكن الاتهامات السياسية الموجهة إلى أبوظبي بشأن “زعزعة استقرار المنطقة” تختلف باختلاف الملف والدولة والسياق، ولذلك لا يمكن التعامل معها كحقيقة عامة من دون تحديد الوقائع والأدلة الخاصة بكل حالة.
أزمة واحدة بثلاثة مسارات
ما يجعل الوضع الحالي بالغ الحساسية هو أن الملفات الثلاثة لم تعد منفصلة.
فالحرب في تيغراي ترتبط بالعلاقة مع إريتريا، والعلاقة مع إريتريا مرتبطة بمسألة الوصول إلى البحر الأحمر، بينما ترتبط علاقة إثيوبيا بمصر بملف النيل وسد النهضة، وتتداخل هذه الملفات جميعاً مع الوضع في السودان وأمن البحر الأحمر.
وبالتالي فإن أي تصعيد عسكري جديد في شمال إثيوبيا قد تكون له انعكاسات خارج الحدود، خصوصاً إذا تحولت الاتهامات المتبادلة إلى دعم مباشر لجماعات مسلحة أو إلى تدخل عسكري من دول الجوار.
وتقول تقارير إن القتال الأخير أدى بالفعل إلى نزوح عشرات الآلاف وتعطيل خدمات أساسية في مناطق من تيغراي، بينما تواجه المستشفيات ضغوطاً متزايدة بسبب أعداد المصابين.
هل يتجه القرن الأفريقي إلى مواجهة أوسع؟
لا توجد، حتى الآن، معطيات تسمح بالقول إن حرباً إقليمية شاملة أصبحت حتمية، لكن مستوى التصعيد الحالي يختلف بوضوح عن الخلافات الدبلوماسية المعتادة.
فالعلاقات بين إثيوبيا وإريتريا وصلت إلى قطع رسمي للعلاقات، وتجدد القتال في تيغراي، وتصاعد التوتر الإثيوبي المصري، فيما يستمر السودان في مواجهة حرب مدمرة.
وفي ظل هذه الظروف، تصبح أي حادثة حدودية أو ضربة عسكرية أو اتهام جديد قابلة للتأثير في مجموعة واسعة من الملفات الإقليمية.
ولهذا جاءت دعوة الاتحاد الأفريقي في توقيت بالغ الحساسية، محذراً الدول الثلاث من الخطوات التي يمكن أن تقوض الاستقرار الإقليمي، ومشدداً على ضرورة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
القرن الأفريقي يقف أمام أزمة مركبة تتقاطع فيها الحرب في تيغراي، والوصول إلى البحر الأحمر، والخلاف حول مياه النيل، بينما تتحرك قوى إقليمية ودولية للحفاظ على مصالحها ومنع اتساع نطاق الصراع.
ويبقى المسار الدبلوماسي هو القناة التي يدفع الاتحاد الأفريقي نحو الحفاظ عليها، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن أي انفلات جديد في إثيوبيا قد تكون له تداعيات تتجاوز حدودها.
وفي ظل قطع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا والتصعيد مع مصر، ستكون الأسابيع المقبلة اختباراً حاسماً لقدرة الأطراف الإقليمية والدولية على احتواء الأزمة قبل أن تتحول الخلافات المتراكمة إلى مواجهة أوسع في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.










