شهدت المنطقة الحدودية الملتهبة بين إثيوبيا وإريتريا حشداً عسكرياً خطيراً وغير مسبوق من القوات والمعدات الثقيلة، في مشهد ينذر بانزلاق شبه حتمي نحو مواجهة عسكرية شاملة تهدد أمن واستقرار القرن الأفريقي بأكمله.
وتأتي هذه التطورات الميدانية البالغة الخطورة في أعقاب انهيار دبلوماسي كامل، رافقته ضغوط دولية مكثفة قادتها الولايات المتحدة خلال الساعات الأخيرة في محاولة يائسة لوقف الانفجار وشيك اللحظة.
انهيار دبلوماسي وقتال واسع
وتفجرت الأزمة الدبلوماسية الرسمية في الأول من أكتوبر الجاري، إثر إقرار أديس أبابا إغلاق سفارتها في العاصمة الإريترية أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، مُعزية القرار إلى “أعمال عدائية مباشرة وغير مباشرة” وتهديدات خطيرة للأمن القومي الإثيوبي، وهو ما قابلته أسمرة بقطع تام وفوري لجميع العلاقات الدبلوماسية.
وتزامن هذا التصعيد السياسي مع اندلاع جولات جديدة من القتال واسع النطاق في شمال إثيوبيا، شمل أقاليم تيغراي وعفار وأمهرة، بين القوات الفيدرالية والميليشيات المتحالفة معها من جهة، وتحالف معارض يضم جبهة تحرير شعب تيغراي وفصائل مسلحة أخرى من جهة ثانية.
وسط هذه المعمعة، وجّهت الحكومة الإثيوبية اتهامات صريحة لإريتريا بتقديم دعم عسكري لوجستي ومباشر للمتمردين.
و في المقابل، نفت أسمرة تلك الاتهامات بشدة، مؤكدة أن أديس أبابا تسعى باستماتة لتحقيق أطماع توسعية والحصول على منفذ سيادي على البحر الأحمر -عبر ميناء عصب مثلاً- فضلاً عن استضافتها المستمرة وتدريبها لفصائل المعارضة الإريترية المسلحة.
حسابات الحرب ومخاطر التصعيد العرضي
يشير المحللون العسكريون إلى أن خطر اندلاع حرب عرضية نتيجة مواجهة مدفعية متصاعدة على الحدود بات مرتفعاً بشكل ملحوظ، لاسيما مع غياب قنوات الاتصال وتكدس القوات المتنافسة.
ويمتلك الطرفان دوافع وحوافز متشابكة؛ فرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يتعرض لضغوط هاضمة من قاعدته السياسية لاستغلال تفوق جيشه الميداني في الشمال لإنهاء ما يُعرف بـ”المشكلة الإريترية” نهائياً.
وفي المقابل، تنطلق أسمرة -بدعم وتحريض محتمل من أطراف إقليمية كالمصر- من حسابات تفترض أن إثيوبيا تعاني من الضعف والتصدع الداخلي جراء تمردات مسلحة متعددة الجبهات تنهك قواها العسكرية (مثل فانو وأولا). وترى أسمرة أن توجيه ضربة استباقية بالتنسيق مع حلفاء الداخل يمثل فرصة استراتيجية سانحة لا تعوض.
ضغوط أمريكية ودولية لاحتواء الأزمة
على الصعيد الدبلوماسي الخارجي، كثّفت وزارة الخارجية الأمريكية جهودها خلال الساعات الـ48 الماضية لحث البلدين على أقصى درجات ضبط النفس. وأكد المتحدث باسم الخارجية، تومي بيغوت، أن التصعيد عبر الحدود يهدد بإشعال الإقليم بأسره، مشدداً على أن “القرن الأفريقي لا يمكنه تحمل صراع عسكري جديد وأزمة إنسانية كارثية”.
وطالبت واشنطن بضرورة احترام السيادة الإقليمية، والعودة الفورية للحوار تحت مظلة اتفاقية السلام لعام 2018.
كما تتابع أطراف إقليمية ودولية أخرى، تشمل الاتحاد الأفريقي ودول الخليج العربي، المشهد بترقب بالغ نظراً لتداعياته الكارثية المحتملة على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر واستقرار السودان والمنطقة بأكملها، وسط مخاوف حقيقية من خروج الأمور عن السيطرة في ظل ضبابية المعارك وتقييد الوصول الميداني المستقل.











