واشنطن- المنشر_الاخباري
كشف تقرير بحثي أميركي أن تنظيم القاعدة لجأ خلال حرب غزة إلى الاستناد على فتاوى صادرة عن علماء ومؤسسات مرتبطة فكرياً بجماعة الإخوان المسلمين، في محاولة لتعزيز خطابه الداعي إلى الجهاد وتوسيع دائرة المبررات الدينية التي يستخدمها في دعايته.
وبحسب تحليل نشره برنامج «التطرف» في جامعة جورج واشنطن، أعده الباحث سيرجيو ألتونا، فإن خطاب القاعدة بشأن غزة تطور خلال السنوات الثلاث الماضية من التركيز على الحرب باعتبارها قضية للتعبئة والغضب، إلى توظيفها في بناء سردية أوسع تتضمن مفاهيم مثل «المقاومة» و«التحرير» و«القانون الدولي» والمقاطعة، مع احتفاظ التنظيم بجوهره الديني والأيديولوجي.
وفي تقرير منفصل نشره البرنامج في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بالتعاون مع منصة «The Middle East Uncovered»، جرى تسليط الضوء بصورة خاصة على استشهاد القاعدة بفتاوى صادرة عن «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»، وهو مؤسسة دينية مقرها الدوحة ارتبطت على مدى سنوات بشخصيات بارزة في تيار الإخوان المسلمين.
لماذا لجأت القاعدة إلى فتاوى خارج خطابها التقليدي؟
يشير التقرير إلى أن القاعدة تمتلك منذ عقود منظومتها الخاصة من المبررات الدينية للعنف المسلح، ولذلك لم تكن بحاجة من الناحية الدعائية إلى علماء من خارج التيار الجهادي لإثبات موقفها.
لكن الاستناد إلى مؤسسة دينية أوسع حضوراً من التنظيم يمكن أن يمنح الخطاب، وفق التحليل، غطاءً دينياً مختلفاً، يسمح للقاعدة بالقول إن الدعوة إلى دعم القتال في غزة لا تأتي منها وحدها، وإنما تستند أيضاً إلى مواقف علماء ومؤسسات خارج بنيتها التنظيمية.
وظهر ذلك بوضوح في يونيو/حزيران 2025، عندما نشرت القاعدة مادة دعائية مطولة حول غزة، أشارت فيها إلى موقف للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين دعا إلى اعتبار الجهاد واجباً على الحكومات والجيوش الإسلامية. واستغل التنظيم هذا الموقف لتوجيه سؤال إلى جمهوره حول ما إذا كانت تلك الدعوة قد وجدت استجابة فعلية.
علاقة أقدم بفتاوى علماء مرتبطين بالإخوان
بحسب التقرير، لم تكن هذه المرة الأولى التي تستشهد فيها القاعدة بشخصية دينية مرتبطة بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
فبعد هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استندت القاعدة في أحد بياناتها إلى فتوى أصدرها العالم الموريتاني محمد الحسن ولد الددو، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ودعت إلى دعم غزة والعمل على تحرير المسجد الأقصى.
كما أشار التقرير إلى أن الفتوى ظهرت عبر قناة «الأقصى» التابعة لحركة حماس، قبل أن تقوم القاعدة بإعادة توظيف مضمونها في خطابها الدعائي. وتُظهر هذه السلسلة، وفق التحليل، انتقال خطاب ديني من مؤسسة مرتبطة بالإخوان إلى وسيلة إعلام مرتبطة بحماس ثم إلى دعاية تنظيم القاعدة.
ماذا قالت الفتاوى؟
يركز التقرير على فتوى أصدرها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قبل أشهر من مادة القاعدة الدعائية في 2025، واعتبرت الجهاد «فرض عين» على المسلم القادر، كما تحدثت عن واجبات مرتبطة بالتدخل العسكري وتوفير السلاح والخبرات والمعلومات.
كما دعت الفتوى، بحسب التقرير، الحكومات الإسلامية إلى التحرك عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وحثت الأفراد القادرين مالياً على تقديم الدعم، إضافة إلى مطالبة العلماء بممارسة الضغط على الحكومات والجيوش والمؤسسات للتحرك بشأن الحرب في غزة.
ويرى التقرير أن القاعدة لم تكن بحاجة إلى إعادة صياغة هذه الحجج من الصفر، إذ وجدت في نصوص وفتاوى منشورة مسبقاً مادة يمكن إدخالها مباشرة في خطابها الدعائي.
تقاطع مؤقت وليس تحالفاً
ورغم هذا التقاطع في الخطاب، يشدد التقرير على أن الاستشهاد المتبادل لا يعني أن القاعدة والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أصبحا حليفين أو أن الخلافات التاريخية بين التيار الجهادي وجماعة الإخوان المسلمين اختفت.
فالقاعدة انتقدت على مدى عقود نهج الإخوان السياسي، بما في ذلك المشاركة السياسية والانتخابات والتدرج في الوصول إلى السلطة، بينما تنتمي المؤسسة الدينية التي يستشهد بها التنظيم إلى بيئة فكرية وسياسية مختلفة.
لكن حرب غزة أوجدت، وفق التقرير، مساحة ضيقة تلتقي فيها بعض الخطابات، خصوصاً في ما يتعلق بالدعوة إلى دعم الفلسطينيين واعتبار القتال ضد إسرائيل قضية ذات طابع ديني.
ويشير تحليل جامعة جورج واشنطن إلى أن القاعدة باتت تتعامل مع غزة ليس فقط باعتبارها مصدراً للتعبئة والغضب، وإنما أيضاً باعتبارها ساحة للتعلم الاستراتيجي وتوسيع قاموسها السياسي والأخلاقي، مع استمرار احتفاظها بهويتها الأيديولوجية الخاصة.
قطر في خلفية المشهد
ويولي التقرير اهتماماً أيضاً بموقع قطر في هذه المعادلة، باعتبار أن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يتخذ من الدوحة مقراً له منذ عام 2010، وأن إنشاء الاتحاد ارتبط بقيادة الشيخ يوسف القرضاوي، بينما حظي بدعم من القيادة القطرية في مراحل تأسيسه وتطوره.
ويخلص التقرير إلى أن أهمية هذه الظاهرة لا تكمن في تحول القاعدة أو الإخوان إلى تنظيم واحد، وإنما في قدرة تنظيم جهادي على انتقاء فتاوى صادرة عن علماء خارج بنيته الفكرية والتنظيمية، ثم إعادة توظيفها لإسناد رسالته الدعائية.
وبذلك، تصبح غزة بالنسبة إلى القاعدة أكثر من مجرد ملف تستخدمه للتعبئة؛ فهي أيضاً مصدر لمواد دينية وسياسية تستطيع توظيفها لإظهار أن بعض الدعوات التي تطرحها لا تصدر عن التنظيم وحده، بل تجد صدى لدى علماء ومؤسسات إسلامية أوسع انتشاراً، حتى مع بقاء الخلافات الأيديولوجية والتنظيمية قائمة.










