شهدت العلاقات الأمنية والتاريخية بين واشنطن والرياض حالة من التوتر الشديد مكتومة الأنفاس، عقب رفض إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب متطلبات سعودية ملحة بشن ضربات جوية وهجومية مباشرة ضد ميليشيا الحوثي في اليمن.
ويأتي هذا الرفض الأمريكي تزامنا مع تصعيد الحوثيين لعملياتهم العسكرية وتوغلهم الميداني على طول ساحل البحر الأحمر، مهددين الملاحة البحرية بمضيق باب المندب وصادرات النفط الخليجية.
تفاهمات منفصلة وحسابات واشنطن الإقليمية
تعود جذور الموقف الأمريكي الحالي إلى عام 2025، حين شنت الولايات المتحدة ضربات على الحوثيين ردا على هجمات استهدفت الملاحة في البحر الأحمر.
بحسب تقارير صحفية استقصائية نقلا عن “صحيفة الجارديان” و”أكسيوس” أن واشنطن رفضت التورط المباشر لحماية اتفاق وتفاهم منفصل أبرم مع الحوثيين، أفضت تلك الحملة إلى ترتيب أوقف بموجبه الحوثيون هجماتهم على السفن الأمريكية، وعلى الملاحة الدولية بشكل أوسع، مقابل إنهاء واشنطن ضرباتها الهجومية.
وفي وقت لاحق، التقى مسؤولون أمريكيون بممثلين عن الحوثيين في سلطنة عمان، وفق التقارير نفسها. وجددت الجماعة تأكيدها أنها لن تستهدف الملاحة الأمريكية أو الدولية، مشيرة إلى أنها ستركز على السفن المرتبطة بالسعودية وتلك المتصلة بالحصار المفروض على اليمن.
كما أكد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس علنا أن بلاده أجرت اتصالات مباشرة مع الحوثيين.
وينص الاتفاق المعقود بوساطة عمانية على وقف الجماعة لعملياتها ضد السفن والبوارج الأمريكية مقابل امتناع واشنطن عن تنفيذ ضربات هجومية على الأراضي اليمنية. وهو الاتصال الذي أكده نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس علنا.
وتشير المصادر إلى أن إدارة ترامب فضلت تجنب فتح جبهة قتال رئيسية ثانية في المنطقة، حماية لأولوياتها العسكرية والسياسية المتصلة بالصراع المباشر مع إيران، إلى جانب انشغال الإدارة بالاعتبارات الداخلية وانتخابات التجديد النصفي لعام 2026.
اقتصرت المساعدة الأمريكية للمملكة على تقديم بيانات واستخبارات الدعم التكتيكي وتحديد الأهداف، بالإضافة إلى إرسال نحو 200 فرد عسكري في أدوار استشارية فقط.
هجوم مطار الرياض يرفع منسوب الخلافات
وتفاقم الخلاف بشكل حاد عقب هجوم حوثي بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدف مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض، وأسفر عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصا بينهم مواطن أمريكي وإصابة المئات.
وتقدم الحوثيون هذا العام على طول الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، ما أثار مخاوف بشأن مضيق باب المندب وصادرات النفط السعودية. كما استأنفوا هجماتهم العابرة للحدود بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وأفاد موقع «أكسيوس» بأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تواصل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدة مرات طالبا ضربات عسكرية أمريكية مباشرة.
وذكر التقرير أن ترامب رفض، وعرضت إدارته بدلا من ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية وتوفير بيانات لتحديد الأهداف وتقديم دعم محدود غير قتالي. ويوجد بالفعل نحو 200 عنصر أمريكي يؤدون أدوارا استشارية. وتفيد بعض الروايات بأن ترامب وافق لفترة وجيزة على الطلب قبل أن يتراجع.
وبعد الهجوم على مطار الرياض، صرح ترامب، بحسب صحيفة «الإندبندنت»، بأن الولايات المتحدة «قد» تشارك في ضربات وأنها «ستنظر في الأمر»، رغم رفضه السابق طلبات مماثلة. وأدانت واشنطن الهجوم، وتواصل تقديم مساعدة محدودة للدفاعات الجوية السعودية، مع تجنب القيام بدور هجومي شامل.
ولفت محللون سياسيون إلى أن امتناع واشنطن عن التدخل يعكس سياسة الشكوك والتحفظ، مما أثار تساؤلات عميقة داخل الأوساط السعودية حول مصداقية الولايات المتحدة كشريك أمني ومظلة حماية، خصوصا بعد الشراكات الدفاعية لعام 2025 وتصنيف الرياض كحليف رئيسي خارج حلف “الناتو”.
إعادة تموضع سعودي وتبدل الخيارات
وأمام الاقتصار الأمريكي على التغطية الاستخباراتية المحاطة بالقيود، اتجهت الرياض نحو تنويع شركائها الدوليين والإقليميين للتعامل مع التهديدات؛ حيث عززت مشاوراتها مع تركيا وباكستان إلى جانب تنسيق أمني مع بريطانيا، في ظل تزايد تعقيدات المشهد اليمني عقب انهيار التحالفات الميدانية الاستراتيجية السابقة وضغوط الملاحة البحرية.
توتر حقيقي في التحالف
ورغم غياب الأدلة على تأييد أمريكي للهجمات، توثق التقارير احتكاكا حقيقيا بين الرياض وواشنطن. فقد نقل موقع «موني كنترول» ومنافذ أخرى عن مسؤولين سابقين ومحللين وصفهم حالة إحباط سعودية وتزايد الشكوك في موثوقية الولايات المتحدة شريكا أمنيا.
ويأتي ذلك رغم توقيع البلدين اتفاقية دفاعية عام 2025 وتمتع السعودية بصفة «حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي».
وتعد الفجوة بين مناشدات ولي العهد المتكررة وحالات الرفض الأمريكية المصدر الأبرز لهذا التوتر.
وتشير التقارير إلى أن المملكة بدأت البحث عن شركاء آخرين، منهم تركيا وباكستان، مع دعم محدود من بريطانيا وتواصل أولي مع الإمارات. ويرى المحللون أن ذلك استجابة لحدود المساعدة الأمريكية، وليس دليلا على ضغط من واشنطن لإبقاء الرياض معتمدة عليها. وتبرز التغطية ضبط النفس الأمريكي النابع من أولويات واشنطن الخاصة بدلا من ضغوط فعلية على المملكة.
تساؤلات حول الاستراتيجية السعودية
ويشير محللون نقلت عنهم شبكة «سي إن إن» وغيرها إلى أخطاء في التقديرات السعودية، منها الاعتماد المفرط على الدعم الأمريكي، وصعوبة تنظيم القوات المناهضة للحوثيين بعد تراجع الشراكة مع الإمارات، والاستهانة بقدرة الحوثيين على الصمود بعد سنوات من الصراع. وتؤكد التقارير أن هذه تقييمات للاستراتيجية السعودية، ولا تعني وجود تواطؤ أمريكي مع الحوثيين.
وأكد خبراء عسكريون أن تحركات الحوثيين المتصاعدة تأتي استغلالا للملف الإقليمي والدعم الإيراني، مشيرين إلى أن انكفاء واشنطن لا يعكس موافقة أو “ضوءا أخضر” بقدر ما يعبر عن أولوية حماية المصالح الذاتية للولايات المتحدة ومنع اتساع المواجهة المباشرة.









