كشف تقرير تحليلي صادر عن معهد “فورين بوليسي إن فوكس” الأمريكي عن مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية في العلاقات الأمريكية-العراقية، مؤكدا أن الانسحاب العسكري لا يعني نهاية الاهتمام الأمريكي بالعراق، بل يمثل انتقالا نحو توظيف النفوذ الاقتصادي والسياسي لتعزيز حضور واشنطن، والهيمنة على قطاع النفط العراقي، بدلا من إنهاء العقود الطويلة من التدخلات المباشرة.
النفط في صلب الاستراتيجية الإدارية وتكثيف الضغوط السياسية
وبحسب التقرير، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب تمارس ضغوطا سياسية واقتصادية مكثفة على الحكومة العراقية بغرض فتح قطاع النفط الواعد أمام الشركات الاستثمارية الأمريكية الكبرى. وتعيد هذه التحركات التذكير بتصريحات ترامب الصريحة خلال استقباله رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في تموز/يوليو الماضي، والتي أكد فيها أن “الشركات الأمريكية ستستخرج الكثير من النفط من العراق”.
وأشار التقرير إلى أن واشنطن استخدمت أدواتها السياسية والمالية لإحداث هندسة بالعملية السياسية في بغداد، شملت منع وصول إيرادات مبيعات النفط العراقي المودعة في نيويورك لفترة مؤقتة، وتوجيه المسار السياسي بما يمنع عودة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لتمهيد الطريق أمام الزيدي الذي يوصف بـ “رجل الأعمال الثري”، وتلقيبه في بعض الدوائر الأمريكية بـ “ترامب الشرق الأوسط”.
وفي إطار تعزيز هذا الحضور الاقتصادي، رعت غرفة التجارة الأمريكية قمة أعمال موسعة لبحث صفقات شملت كبرى شركات الطاقة مثل “شيفرون” و”كونوكو فيليبس”، بقيمة تتجاوز 60 مليار دولار. وأشاد وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت بهذه الخطوات، مؤكدا أنها تمثل رأس الحربة لتوسيع الاستثمارات الأمريكية بالتعاون مع بغداد.
معوقات ميدانية وشكوك حول النجاح الاستراتيجي
ورغم هذا الاندفاع، يسلط التقرير الضوء على شكوك عميقة داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية الأمريكية بشأن فرص نجاح هذه الاستراتيجية. فقد حذرت السفيرة الأمريكية السابقة لدى العراق، ألينا رومانوفسكي، خلال منتدى استضافه معهد “المجلس الأطلسي”، من أن الشركات الأمريكية ستواجه صعوبات تشغيلية وأمنية باهظة الثمن في ظل استمرار نفوذ وسلاح الفصائل المسلحة الموالية لإيران عاجزة الحكومة العراقية عن ضبطها.
من جانبه، أعرب أندرو تابلر، المسؤول السابق في الإدارة الأمريكية، عن قلقه من تقليص القدرة على شن عمليات عسكرية سريعة ومباشرة ضد الفصائل عقب الانسحاب الميداني، مشيرا إلى أن القدرات المتاحة انطلاقا من القواعد في الدول المجاورة تبقى محدودة مقارنة بالماضي.
تحذيرات من “بلقنة” العراق واضطرابات مضيق هرمز
ولا تقتصر التحديات على النفوذ المسلح الداخلي، بل تتعداه إلى مخاوف حقيقية أثارها مسؤولون أمريكيون، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو الذي حذر من خطر سيناريو “بلقنة” العراق وانهياره المؤسسي.
كما تسهم التطورات الجيوسياسية في مضيق هرمز والتصعيد الإقليمي المستمر مع إيران في تعقيد المشهد؛ حيث تتصاعد الضغوط على أسعار الوقود العالمية والداخلية الأمريكية، وسط حذر إقليمي من الحلفاء وتنامي الرفض الشعبي الأمريكي للحروب والتدخلات الخارجية.
وخلص معهد “فورين بوليسي إن فوكس” إلى أن واشنطن، وبدلا من استغلال الانسحاب العسكري لإنهاء عقود من التدخلات في الشرق الأوسط، تمضي قدما لتطبيق شعار ترامب المتمثل في “أخذ النفط” عبر أدوات اقتصادية وسياسية، رغم المخاطر العالية التي تحدق باستقرار المنطقة.










