أقر البرلمان الليبي المتمركز في شرق البلاد، اليوم الثلاثاء، رسميا مذكرة التفاهم البحرية الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة عام 2019، كما ألغى قرار المقاطعة الذي اتخذه ضد أنقرة في عام 2020.
وتشكل خطوة البرلمان الليبي تحولا جوهريا وتاريخيا في موقف المؤسسة التشريعية التي عارضت الاتفاقية لسنوات طويلة، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل العلاقات الليبية التركية، وسط تجدد الخلافات الإقليمية بشأن ترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة في حوض شرق البحر الأبيض المتوسط.
ونقلت وكالة “رويترز” عن نائبين في البرلمان الليبي أن المجلس وافق على الاتفاقية البحرية وألغى المقاطعة بأغلبية الأصوات، في خطوة لافتة تنهي سنوات من الرفض والطعن في شرعية المذكرة جراء الانقسام السياسي بين السلطات المتنافسة في ليبيا.
سياق توقيع الاتفاقية والتسجيل الدولي
وكانت تركيا وحكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج قد وقعتا مذكرة التفاهم بشأن ترسيم مناطق الاختصاص البحري في 27 نوفمبر 2019 بمدينة إسطنبول. وحددت المذكرة نطاقا جديدا للحدود البحرية بين البلدين يشمل الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة، ضمن مسعى كلا من أنقرة وطرابلس لتثبيت حقوقهما البحرية.
وأودعت تركيا الاتفاقية لدى الأمم المتحدة لتسجل رسميا في أمانة المنظمة في سبتمبر 2020 وفق المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة.
وفي أكتوبر 2022، وسع الطرفان نطاق الشراكة بتوقيع مذكرة إضافية للتعاون في مجالات الطاقة والتنقيب عن النفط والغاز، وهو ما قوبل حينها باعتراضات شديدة من سلطات شرق ليبيا ومواقف رافضة من أثينا والقاهرة.
تراجع عن المقاطعة ودوافع التحول الداخلي
وكان مجلس النواب في الشرق يرى سابقا أن حكومة الوفاق لا تملك الصلاحية الدستورية لإبرام مثل هذه التفاهمات دون موافقته، أعلن رئيس المجلس عقيلة صالح في ديسمبر 2019 رفض المذكرة، وأصدر البرلمان في يناير 2020 قرارا بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة وعدم المصادقة على الاتفاقيات.
ويعكس إقرار الاتفاقية وإلغاء المقاطعة اليوم تراجعا صريحا عن الموقف السابق، مما يمنح المذكرة مظلة شرعية ودعما تشريعيا جامعا يقلص التباين المؤسسي بين شرق البلاد وغربها، ويفتح قنوات تواصل واعدة لتصفية التباينات حول ملفات الطاقة والعلاقات الخارجية.
التداعيات الإقليمية والاعتراضات الدولية
إقليميا، تجدد هذه الخطوة التوترات في ملف الحدود البحرية؛ إذ تواجه الاتفاقية اعتراضات مستمرة من اليونان التي تعتبر المذكرة مساسا بحقوقها الاقتصادية وتجاهلا للجزر اليونانية وعلى رأسها جزيرة “كريت”.
وكانت مصر واليونان قد وقعتا اتفاقية لتحديد المناطق الاقتصادية في أغسطس 2020 للرد على التفاهمات التركية الليبية.
وبينما تتمسك أنقرة بالمذكرة لحماية حقوقها وقواعد قانون البحار حسب تفسيرها، تؤكد أثينا والقاهرة عدم ملاءمتها للمواثيق الدولية، مما يضع التطورات الأخيرة في قلب التوازنات الجيوسياسية بشرق المتوسط.











