أعاد الإعلان الأخير عن انسحاب عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) من بعض مناقعه ومواجهه في إقليم كردستان العراق فتح نقاش واسع وعميق داخل الأوساط السياسية والأمنية بشأن مستقبل الوجود العسكري التركي وقواعد أنقرة المنتشرة شمالي العراق.
وتصاعدت التساؤلات العميقة حول مدى استعداد السلطات التركية لتقليص وجودها الميداني بعد تراجع حجم التهديدات المسلحة التي طالما استندت إليها أنقرة لتبرير عملياتها العسكرية وانتشار قواتها داخل الأراضي العراقية.
وبحسب تقرير تحليلي نشره موقع “أمواج ميديا” البريطاني، فإن أي تحرك تركي أوسع لنطاق الانسحاب أو خفض مستويات القوات سينوط بوضوح بمصير أسلحة الحزب، ومدى جاهزية وقدرة القوات الأمنية الحكومية في بغداد على تولي كامل المسؤوليات الأمنية في المناطق والشريط الحدودي الذي تنتشر فيه القوات التركية بحجة مواجهة الجماعة المسلحة.
قاعدة بعشيقة والنموذج المحتمل لإنهاء الانتشار
وأشار التقرير إلى أن التعهد الرسمي التركي بتسليم قاعدة “بعشيقة” قرب مدينة الموصل إلى القوات المسلحة العراقية قد يشكل نموذجاً أولياً وآلية محتملة لإعادة تنظيم وإعادة هيكلة الوجود العسكري التركي داخل العراق، إلا أن تطبيق هذا الترتيب على بقية القواعد المنتشرة قرب الحدود المباشرة لا يزال غير واضح المعالم حتى اللحظة.
وكان حزب العمال الكردستاني قد أعلن، في 8 أكتوبر الجاري، إخلاء أربعة مواقع للأنفاق والتحصينات في جبل متينا بمحافظة دهوك، في إطار مسار وعملية السلام المستمرة مع أنقرة منذ أكتوبر 2024.
واعتبر الحزب أن انسحابه يُمقِط ويُسقِط كافة الذرائع والمبررات التي تسوقها تركيا للاستمرار في الانتشار العسكري، مع اتهامه أنقرة بعدم تقديم خطوات عملية موازية لدفع جهود السلام.
غير أن الحزب لم يُفصح عن الوجهة الجديدة التي انتقل إليها مقاتلوه، ولا عن المصير النهائيات لأسلحتهم، أو مدى استمرار نشاطهم الداخلي، وهي تفاصيل جوهرية تفرض نفسها على أي قرار تركي بإنهاء الانتشار.
وفي هذا الصدد، أشار التقرير إلى وجود أنباء حول احتمال سيطرة القوات التركية على المواقع المخلاة بدلاً من تسليمها لقوات البيشمركة الكردية، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان الانسحاب سيُقلص الوجود المسلح أم سيستبدل طرفاً بآخر.
من جانبه، شدد وزير الدفاع التركي يشار غولر، في 20 أكتوبر، على أن بلاده ستبقي على قواتها في العراق حتى التأكد التام من ضمان أمن الحدود الوطنية بشكل كامل، مؤكداً أن التواجد مرتبط بانتهاء التهديدات بصورة فعلية على الأرض.
سنجار وضغوط السلاح والسياسة في بغداد وأربيل
وأوضح التقرير أن اتفاق تسليم قاعدة بعشيقة جرى التوصل إليه في 23 سبتمبر خلال اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في نيويورك، بربط شرطي مع استعادة سلطة الدولة في قضاء سنجار بمحافظة نينوى، نظراً لأهميته الاستراتيجية ووجود “وحدات مقاومة سنجار” المرتبطة بالكردستاني.
وقد شهد القضاء مؤخراً تسليم هذه الوحدات لسلاحها واندمجت مع القوات الأمنية في مراسم رسمية تحت إشراف الزيدي.
في غضون ذلك، تتقاطع هذه التطورات مع الضغوط التي تمارسها بغداد على الفصائل المسلحة لترتيب وضع أسلحتها تحت السلطة الحكومية، بعد تمديد المهلة النهائية إلى يونيو 2027.
وفيما ربطت فصائل مثل “كتائب سيد الشهداء” نزع سلاحها بالانسحاب التركي الكامل، أكد قياديون مثل هادي العامري على ضرورة خروج القوات الأجنبية ونزع سلاح الجماعات المهددة لدول الجوار.
ختاماً، أكد التقرير أن انسحاب حزب العمال الكردستاني لا ينعكس تلقائياً في خروج عسكري تركي مباشر، لكنه يُضعف الحجج والمبررات الباقية للانتشار العسكري الشامل، ليبقى المحك الحقيقي مرتبطاً بقدرة الحكومة العراقية في بغداد والتنسيق مع أربيل لتولي الملف الأمني والسيطرة الميدانية الكاملة بما يلبي شروط التهدئة الإقليمية.










