يخضع حلف شمال الأطلسي “الناتو” حاليا لعملية إعادة صياغة واسعة وشاملة لخططه الدفاعية الاستراتيجية، في خطوة تمثل تحولا نوعيا قد يضع عمق الأراضي الروسية مباشرة في دائرة الاستهداف العسكري، وذلك على خلفية التطورات الميدانية والعمليات العسكرية المستمرة في كل من أوكرانيا ومنطقة الشرق الأوسط.
ووفقا لما كشفت عنه تقارير صحفية بارزة نشرتها صحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن التوجه الجديد لحلف الناتو يرتكز أساسا على الانتقال الجذري من استراتيجية “عرقلة تقدم القوات الروسية” على خطوط التماس الأمامية إلى استراتيجية هجومية ودفاعية متكاملة تقوم على استهداف “المنظومة العسكرية الداعمة” للعمليات الروسية.
ويشمل ذلك بوضوح استهداف القواعد العسكرية الاستراتيجية، ومستودعات الإمداد والتموين اللوجستي، إضافة إلى المنشآت الصناعية الحيوية الواقعة خلف خطوط المواجهة.
اجتماعات قادة الحلف وتحديث الترسانة الصاروخية بعيدة المدى
وفي سياق ترجمة هذه المخططات على أرض الواقع، عقد قادة عسكريون ومسؤولون بارزون في الحلف خلال شهر يونيو الماضي أول ندوة متخصصة ومكرسة بالكامل لمناقشة مفهوم الضربات بعيدة المدى.
وقد ترأس هذه الندوة واستضافها القائد الأعلى لقوات الناتو في أوروبا، الجنرال الأمريكي أليكسوس غرينكيفيتش، حيث تركزت المباحثات المكثفة على آليات وسبل توظيف هذه القدرات المتقدمة في التصدي لأي هجوم روسي محتمل واحتوائه بفاعلية.
وتعتمد الخطة العسكرية الجديدة على تعزيز وتوسيع ترسانة الأسلحة الدقيقة وبعيدة المدى؛ حيث تعمل الولايات المتحدة الأمريكية بشكل حثيث على تطوير صواريخ متطورة مثل “توماهوك” و”أتاكمز”، بينما تبذل الدول الأوروبية الحليفة جهودا مضاعفة لزيادة مخزونها الاستراتيجي من صواريخ “ستورم شادو”، و”سكالب”، و”توروس”، إلى جانب الاستثمار في تطوير صواريخ مجنحة حديثة ومنخفضة التكلفة.
استلهام الدروس الأوكرانية وفجوة التوافق السياسي الأوروبي
وفي ذات السياق، نقلت الصحيفة عن اللواء البولندي إيرينيوش نوفاك تأكيده بأن الحلف سيكون لديه الرغبة الكاملة في استهداف وتدمير القاعدة الصناعية والدفاعية الروسية في حال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة.
واستند هذا التقرير العسكري إلى الدروس المستفادة من التجربة الأوكرانية في تنفيذ ضربات ناجحة بعيدة المدى استهدفت منشآت حيوية عسكرية واقتصادية داخل العمق الروسي، شملت مصافي النفط، ومصانع الطائرات المسيرة، ومنشآت إنتاج وقود الصواريخ، وهو ما اعتبره الحلف جزءا أساسيا ومركزيا من عقيدة الردع لديه.
وعلى الرغم من هذه التخطيطات العسكرية المتقدمة، لفت التقرير الانتباه إلى وجود فجوة وتحديات سياسية حقيقية تتمثل في التباين بين الرؤية العسكرية البحتة ومواقف صناع القرار السياسي في العواصم الأوروبية، وسط تساؤلات قائمة حول مدى استعدادهم للموافقة الفعلية على توجيه ضربات مباشرة لعمق الأراضي الروسية ردا على أي هجوم.
ورغم ذلك، تهدف الخطط الجديدة لجعل هذه الضربات ركيزة رئيسية تضمن تدمير مصادر الدعم والإمداد وشل القدرات العسكرية المتاحة لمواصلة القتال.










