القاهرة- أقرت الحكومة المصرية حزمة تحريك جديدة لأسعار التيار الكهربائي، دخلت حيز التنفيذ الفعلي بدءا من شهر أبريل الجاري، على أن يبدأ تحصيل الفواتير بالقيم الجديدة مطلع شهر مايو المقبل.
ووفقا لوثيقة رسمية وتحليلات اقتصادية، اعتمدت الدولة مبدأ “الحماية الاجتماعية” في التسعير الجديد؛ حيث تقرر تثبيت أسعار الكهرباء لشرائح الاستهلاك المنزلي المنخفضة (أول 6 شرائح) دون أي تغيير، بينما تركزت الزيادات الكبرى على القطاع التجاري بنسب تراوحت بين 20% و91%، وشملت أيضا أعلى شرائح الاستهلاك المنزلي وكذا العدادات الكودية.
تفاصيل الشرائح: استقرار للمنازل وزيادة للمحال
كشفت البيانات أن الدولة أبقت على أسعار الشرائح التي تمثل غالبية الأسر المصرية دون مساس، حيث استقر سعر الشريحة الأولى (حتى 50 كيلو وات) عند 68 قرشا، والثانية عند 78 قرشا، وصولا إلى الشريحة السادسة (حتى 1000 كيلو وات) بسعر 2.10 جنيه.
أما التحركات السعرية الحقيقية فقد استهدفت الفئات التالية:
كبار المستهلكين (الشريحة السابعة): زادت بنسبة 16% لتصل إلى 2.58 جنيه لكل كيلو وات ساعة لمن يتخطى استهلاكه 1000 كيلو وات.
العدادات الكودية: شهدت زيادة بنسبة 28% لترتفع من 2.14 إلى 2.74 جنيه.
القطاع التجاري: تحمل العبء الأكبر، حيث قفزت الشريحة الأولى بنسبة 91% (من 85 قرشا إلى 162 قرشا)، بينما زادت الشرائح التجارية الأخرى بنسب متفاوتة وصلت إلى 47% للشريحة الثالثة.

فاتورة الدعم والعجز الملياري
تأتي هذه الإجراءات في وقت يواجه فيه قطاع الكهرباء تحديات اقتصادية غير مسبوقة، إذ كشفت تصريحات رسمية للرئيس عبد الفتاح السيسي أن العجز السنوي في هذا القطاع يقترب من 500 مليار جنيه (نحو 10 مليارات دولار).
ويعود هذا الفجوة إلى بيع الطاقة للمواطنين والمنشآت بأقل من تكلفتها الفعلية بنسبة تصل إلى 75%.
وتشير الأرقام إلى أن الدولة تستهلك منتجات بترولية سنويا بقيمة تريليون جنيه، يوجه 60% منها لتشغيل محطات التوليد.
وفي حين تبلغ التكلفة الفعلية للوقود المشغل للمحطات نحو 600 مليار جنيه، لا تسدد وزارة الكهرباء سوى 100 مليار جنيه فقط لوزارة البترول، مما يترك عجزا قدره نصف تريليون جنيه تتحمله ميزانية الدولة ومؤسساتها البترولية.
تداعيات الحرب الإقليمية وترشيد الاستهلاك
لا يمكن فصل هذه الزيادات عن السياق الجيوسياسي المتفجر؛ حيث تعاني مصر من أزمة طاقة حادة تأثرت بتداعيات الحرب الدائرة في إيران، والتي ألقت بظلالها على سلاسل توريد الوقود وأسعار النفط العالمية. واستجابة لهذه الأزمة، طبقت الحكومة حزمة من إجراءات التقشف والترشيد شملت:
غلق المحال التجارية والمطاعم في تمام الساعة 9 مساء (بدءا من 28 مارس الماضي).
تطبيق نظام العمل عن بعد لبعض الوظائف الحكومية.
رفع أسعار الوقود والغاز بنسب تراوحت بين 14% و30% مؤخرا لتقليص الفجوة التمويلية.
مخصصات الدعم في الموازنة الجديدة
على الرغم من الزيادات، تظل الحكومة ملتزمة بتقديم دعم نقدي وعيني للكهرباء؛ حيث رفعت مخصصات الدعم في موازنة العام المالي الجاري بنسبة قياسية بلغت 2900% لتصل إلى 75 مليار جنيه.
ويؤكد وزير الكهرباء، محمود عصمت، أن التوجه الحكومي الحالي يركز على “الأقسام الأقل تأثيرا على حياة المواطن البسيط”، مع دراسة دائمة لكيفية تحسين الكفاءة التشغيلية للمحطات لتقليل الفاقد الفني والمالي.
بهذه الحزمة الجديدة، تحاول القاهرة السير على حبل مشدود بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وسداد مستحقات شركات البترول العالمية، وبين الحفاظ على السلم المجتمعي وحماية الفئات الهشة من موجات التضخم، في ظل إقليم يشتعل بالحروب والاضطرابات التي تعيد رسم خارطة الطاقة في الشرق الأوسط.










