طهران – المنشر الإخبارى
في تصعيد دبلوماسي جديد يعكس حدة التوتر الإقليمي، قدّمت طهران شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة تتهم فيها الولايات المتحدة باستخدام أجواء وأراضي عدد من الدول العربية المطلة على الخليج لتنفيذ هجمات عسكرية ضد إيران خلال الحرب التي وصفتها طهران بـ”المفروضة”.
وجاءت الشكوى على لسان المندوب الإيراني الدائم لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني، الذي بعث برسائل رسمية إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن، مطالبًا بفتح تحقيق دولي في ما وصفه بـ”انتهاك خطير للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”.
اتهامات باستخدام أراضٍ وأجواء دول خليجية في العمليات العسكرية
في رسالته، أكد السفير الإيراني أن الولايات المتحدة استغلت أراضي وأجواء خمس دول خليجية عربية لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إيران، في إطار الحرب التي اندلعت في 28 فبراير، والتي تعتبرها طهران عدوانًا غير مبرر.
وأشار إلى أن دولًا مثل قطر والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة والسعودية تتحمل، وفق القانون الدولي، مسؤولية عدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في أعمال عدائية ضد دولة ثالثة.
وشدد على أن مبدأ حسن الجوار يفرض على هذه الدول منع استخدام أراضيها في أي شكل من أشكال العدوان، محذرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يفاقم التوتر في منطقة الخليج ويقوض الأمن الإقليمي.
تفاصيل عن الطائرات والمعدات المستخدمة
الرسالة الإيرانية تضمنت أيضًا تفاصيل عسكرية لافتة، حيث اتهمت واشنطن باستخدام مجموعة واسعة من الطائرات بدون طيار والطائرات القتالية انطلاقًا من قواعد أو مجالات جوية في المنطقة.
ومن بين المعدات التي ورد ذكرها:
- طائرات الاستطلاع بدون طيار MQ-9
- طائرات MQ-4C
- طائرات المراقبة البحرية P-8A
- طائرات الإنذار المبكر AWACS
- قاذفات B-1
- مقاتلات F-22 وF-15 وF-16 وF-35
وبحسب طهران، فإن هذه المنظومات الجوية شاركت في تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية خلال مراحل مختلفة من الحرب، وهو ما تعتبره إيران “استخدامًا غير مشروع للبنية التحتية لدول أخرى في نزاع مسلح”.
بداية الحرب وتطوراتها العسكرية
تشير الرواية الإيرانية إلى أن الحرب بدأت في 28 فبراير بهجمات جوية وصاروخية استهدفت مواقع عسكرية حساسة داخل إيران، وأسفرت عن اغتيال عدد من القادة العسكريين والمسؤولين البارزين، وهو ما وصفته طهران بأنه محاولة لـ”ضرب مركز القيادة وإضعاف البنية الدفاعية للدولة”.
وردًا على ذلك، أعلن الحرس الثوري الإيراني تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية واسعة حملت اسم “الوعد الصادق 4”، شملت وفق الرواية الإيرانية إطلاق نحو 100 موجة من الضربات الانتقامية التي استهدفت مواقع أمريكية وإسرائيلية في المنطقة.
البحرين ضمن دائرة التصعيد
وفي سياق متصل، أشارت تقارير إيرانية إلى استهداف مواقع مرتبطة بالقيادة الأمريكية في البحرين، حيث يُعتقد أن جزءًا من عمليات الرد الإيرانية شمل مواقع يُقال إنها تستخدم من قبل قيادة الأسطول الخامس الأمريكي.
هذا التطور يعكس اتساع نطاق المواجهة ليشمل مناطق خارج حدود إيران المباشرة، ويؤكد، بحسب محللين، أن الصراع تجاوز الإطار الثنائي ليأخذ طابعًا إقليميًا معقدًا.
الهدنة المؤقتة وتعثر المفاوضات
بعد 40 يومًا من القتال، تم التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت بوساطة باكستانية دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل، إلا أن الجولة الأولى من المفاوضات بين طهران وواشنطن لم تسفر عن أي اتفاق نهائي.
لاحقًا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمديد الهدنة من طرف واحد، في خطوة قال إنها تهدف إلى إتاحة المجال لمقترحات جديدة من الجانب الإيراني لعقد جولة مفاوضات ثانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.
لكن طهران امتنعت حتى الآن عن الالتزام بجولة جديدة من المحادثات، مشيرة إلى أن واشنطن تضع شروطًا “مبالغًا فيها” تشمل ملفات حساسة تتعلق بالبرنامج النووي والسياسة الإقليمية، إضافة إلى ما تصفه إيران بـ”الحصار البحري غير القانوني” المفروض عليها.
تصعيد سياسي ودبلوماسي متزامن مع التوتر العسكري
الشكوى الإيرانية إلى الأمم المتحدة تأتي في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تدويل ملف الحرب، ومحاولة الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها عبر القنوات القانونية والدبلوماسية.
وترى طهران أن استخدام أراضي دول ثالثة في العمليات العسكرية يمثل خرقًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة، خاصة المادة التي تحظر استخدام القوة أو تسهيلها ضد دولة ذات سيادة.
كما تعتبر أن صمت المجتمع الدولي أو عدم اتخاذ إجراءات حاسمة قد يفتح الباب أمام سابقة خطيرة في إدارة النزاعات الدولية، حيث يمكن لأي قوة عسكرية استخدام أراضي دول أخرى كمنصات عمليات دون مساءلة.
قراءة في المشهد الإقليمي
يرى مراقبون أن هذا التطور يعكس تعقيدًا متزايدًا في المشهد الإقليمي، حيث تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والدبلوماسية والقانونية بشكل غير مسبوق.
فمن جهة، تستمر المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل بشكل غير مباشر عبر ساحات متعددة، ومن جهة أخرى تحاول الأطراف إعادة فتح قنوات تفاوضية برعاية وسطاء إقليميين.
لكن في المقابل، يشير استمرار الاتهامات المتبادلة والتصعيد الدبلوماسي إلى أن الثقة بين الأطراف لا تزال في أدنى مستوياتها، ما يجعل فرص التوصل إلى تسوية دائمة أمرًا معقدًا في المدى القريب.
الشكوى الإيرانية الأخيرة أمام الأمم المتحدة تمثل حلقة جديدة في سلسلة التصعيد السياسي المرتبط بالحرب، وتسلط الضوء على البعد الإقليمي للصراع، حيث لم تعد المواجهة محصورة بين أطرافها المباشرة، بل امتدت لتشمل دولًا وقواعد وممرات جوية في محيط الخليج.
وفي ظل استمرار التوتر العسكري وتعثر المفاوضات، يبدو أن الأزمة لا تزال مفتوحة على سيناريوهات متعددة، بين التصعيد الميداني أو العودة إلى طاولة التفاوض، في مشهد تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالدبلوماسية بشكل غير مسبوق.










