طهران – المنشر الإخبارى
قدّم أستاذ إيراني في العلوم الرياضية بجامعة يزد، وهو باحث معروف دوليًا في مجاله العلمي، رسالة فكرية اعتبرها “تحديًا أيديولوجيًا ولاهوتيًا” موجهًا إلى ما وصفه بـ“اللوبيات الصهيونية” حول العالم، مستندًا فيها إلى تأويلات لعدد من الآيات القرآنية، في طرح أثار نقاشًا واسعًا حول تداخل الخطاب الديني مع القضايا السياسية والفكرية المعاصرة.
الأستاذ، وهو البروفيسور بيجان دفاّز، يُعد من الأسماء العلمية البارزة في مجال العلوم الرياضية، وقد نُشرت له أبحاث متعددة في مجلات علمية دولية، كما تعاون مع باحثين من عشرات الدول. غير أن رسالته الأخيرة خرجت من الإطار الأكاديمي البحت إلى مساحة خطابية ذات طابع فكري وديني وسياسي في آن واحد.
رسالة موجهة بخطاب مباشر
في رسالته، وجّه دفاّز خطابًا مباشرًا إلى ما وصفه بـ“اللوبيات الصهيونية” داخل الولايات المتحدة وخارجها، مستخدمًا نصوصًا قرآنية اعتبر أنها تحمل دلالات “حجاجية” في مواجهة ما يطرحه الطرف الآخر من أفكار أو روايات.
واعتمد في طرحه على آيات من سورتي الجمعة والبقرة، إلى جانب إشارات قرآنية أخرى، معتبرًا أن بعض النصوص تحمل تحديًا معرفيًا لمن يزعمون، بحسب تعبيره، أنهم “شعب مختار”، حيث دعاهم إلى ما وصفه بـ“اختبار الحقيقة” وفق قراءة دينية للنصوص.
كما أشار في خطابه إلى سؤال بلاغي حول ما وصفه بـ“الخوف من الموت”، في محاولة منه لتقديم حجة رمزية تهدف إلى الطعن في بعض التصورات الفكرية التي يعتقد أنها تُستخدم في الخطاب السياسي.
قراءة دينية في سياق سياسي
الرسالة لم تقتصر على الجانب الديني، بل امتدت إلى تقييم سياسي مباشر، إذ ربط الأستاذ الإيراني بين النصوص القرآنية وبين صراعات معاصرة، معتبرًا أن التاريخ الإنساني يتضمن، بحسب تفسيره، دورات من الصراع بين قوى مختلفة.
وفي هذا السياق، استند إلى آية من سورة الإسراء تتحدث عن سنن التغيير في المجتمعات، معتبرًا أنها تشير إلى أن “الظلم لا يدوم”، وأن القوى المتغلبة تاريخيًا يمكن أن تواجه، في لحظة ما، تحولات كبرى في ميزان القوة.
كما أشار إلى آية من سورة البقرة يفسرها على أنها تعكس، من وجهة نظره، عدم إمكانية الوصول إلى توافق كامل بين أطراف ذات رؤى متعارضة جذريًا، مستخدمًا ذلك لتأكيد رؤيته الرافضة لفكرة التسويات السياسية.
خطاب يحمل طابع التحذير
في جزء آخر من رسالته، استخدم دفاّز لغة تحذيرية، معتبرًا أن بعض السياسات القائمة على الصراع أو التفاوض المتكرر دون حلول نهائية قد تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى البعيد.
ووصف هذا النمط من العلاقات بأنه “دائرة متكررة من الحرب والهدنة والمفاوضات”، مشيرًا إلى أنها، وفق رؤيته، لا تؤدي إلى استقرار دائم بل إلى إعادة إنتاج التوتر.
كما وجّه خطابًا غير مباشر إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مستشهدًا بآية قرآنية تتحدث عن عدم منح “الهيمنة المطلقة” لمن يعتبرهم النص “في موضع خصومة إيمانية”، في إشارة رمزية ذات بعد ديني وسياسي.
خلفية فكرية مثيرة للجدل
الطرح الذي قدمه الأستاذ الإيراني يأتي في سياق أوسع من النقاشات الفكرية والدينية التي تشهدها المنطقة، حيث تتقاطع التفسيرات الدينية مع التحليلات السياسية في قراءة الصراعات الدولية.
ويرى مراقبون أن مثل هذه الخطابات تعكس اتجاهًا متزايدًا نحو “تسييس النصوص الدينية” في النقاشات العامة، وهو ما يثير جدلًا واسعًا بين من يعتبره تعبيرًا عن رؤية أيديولوجية، ومن يراه خلطًا بين المجال الديني والتحليل السياسي.
في المقابل، يرى آخرون أن استخدام النصوص الدينية في الخطاب السياسي ليس جديدًا، بل هو امتداد تاريخي لتقاطع الدين مع السياسة في عدة سياقات حضارية.
جدل حول حدود الخطاب الأكاديمي
إثارة الأستاذ الجامعي لهذا النوع من الرسائل أعادت النقاش حول حدود دور الأكاديميين في القضايا السياسية، خصوصًا عندما يتم استخدام خلفيتهم العلمية أو مكانتهم الأكاديمية في دعم خطابات ذات طابع أيديولوجي.
فبينما يرى البعض أن للأكاديميين الحق في التعبير عن آرائهم، حتى لو كانت ذات طابع سياسي أو ديني، يحذر آخرون من أن ذلك قد يخلط بين البحث العلمي والخطاب الدعوي أو السياسي، خاصة عندما يتم توظيف المرجعية الدينية في سياقات صراعية.
الصهيونية في الخطاب العام
الرسالة استخدمت مصطلح “الصهيونية” في سياق نقدي حاد، واعتبرتها أيديولوجية سياسية قائمة على السيطرة والصراع، وهو توصيف يعكس أحد الخطابات الشائعة في بعض الأوساط الفكرية والسياسية في المنطقة.
لكن هذا المصطلح نفسه يظل محل اختلاف واسع في تعريفه وتفسيره، حيث يراه البعض حركة سياسية مرتبطة بتأسيس دولة إسرائيل، بينما يراه آخرون إطارًا أيديولوجيًا متعدد التفسيرات.
تداخل الدين والسياسة
تكشف هذه الرسالة مجددًا عن حالة التداخل المعقد بين الدين والسياسة في الخطاب العام، خاصة في القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط، حيث غالبًا ما تُستخدم النصوص الدينية لتقديم تفسيرات أو مواقف تجاه الصراعات الدولية.
ويرى محللون أن هذا التداخل يجعل من الصعب الفصل بين البعد الروحي والبعد السياسي في كثير من الخطابات، ما يخلق مساحة واسعة للجدل والتأويل.
يمثل خطاب الأستاذ الإيراني مثالًا على كيفية توظيف النصوص الدينية في إطار نقاشات سياسية وفكرية معاصرة، حيث تمتزج اللغة الأكاديمية بالخطاب العقائدي في محاولة لتقديم رؤية تفسيرية للصراعات الدولية.
وبينما يراه البعض تعبيرًا عن حرية فكرية ورؤية أيديولوجية، يعتبره آخرون خطابًا جدليًا يتجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي، ويعيد طرح سؤال قديم جديد حول حدود استخدام الدين في تفسير السياسة الدولية.











