في تحليل استراتيجي مفصل يعكس عمق الشروخ داخل بنية السلطة في إيران، كشف معهد دراسات الحرب (ISW) بالتعاون مع مشروع التهديدات الحرجة (CTP) عن تحول جوهري في موازين القوى الداخلية، حيث نجح التيار المتشدد بقيادة العميد أحمد وحيدي، قائد الحرس الثوري، في تحجيم نفوذ الكتلة “البراغماتية” التي يتصدرها رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف.
انتصار أحمد وحيدي كما يصفه معهد دراسات الحرب، لا يمثل مجرد تغيير في الوجوه، بل هو إعادة صياغة جذرية لنهج طهران تجاه الولايات المتحدة، من المرجح أن تدفع المنطقة نحو حافة صراع أكثر حدة.
جذور التنافس: صدام الرؤى بين “الميدان” و”الدبلوماسية”
بدأ مركز دراسات الحرب (ISW-CTP) رصد هذا التنافس المحموم منذ أواخر مارس2026، برز الصراع بوضوح عندما بدأت الكتلة البراغماتية—التي تضم قاليباف، والرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي—في الدفع نحو موقف تفاوضي أكثر مرونة لتخفيف وطأة الضغوط الاقتصادية والعسكرية.
ظهرت أولى شرارات المواجهة العلنية في 28 مارس، حين وجه الرئيس بيزشكيان انتقادات نادرة لتحركات الحرس الثوري، متهماً أحمد وحيدي والعميد علي عبد الله علي آبادي بـ”التصرف الأحادي وتأجيج التصعيد”.
ورغم نجاح عراقجي في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة في 7 أبريل، إلا أن هذا الإنجاز كان بمثابة “انتصار مؤقت” أثار حفيظة الجناح المتشدد الذي يرى في التهدئة ضعفاً استراتيجياً.
استراتيجية “وحيدي” في تقويض البراغماتيين
لم يقف وحيدي مكتوف الأيدي أمام محاولات قاليباف وفريقه؛ بل شرع في تنفيذ استراتيجية ممنهجة لتقييد صلاحيات الوفد المفاوض، تمثلت أبرز هذه الخطوات في إقحام محمد باقر ذو القدر، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي وأحد المقربين من دائرة وحيدي، داخل الوفد لمراقبته وضمان عدم تجاوز “الخطوط الحمراء”.
بلغ التوتر ذروته خلال مفاوضات إسلام آباد في 11 و12 أبريل، حيث اتهم ذو القدر كلاً من قاليباف وعراقجي بإظهار مرونة مفرطة، وبأوامر مباشرة، استدعى قادة الحرس الثوري الوفد إلى طهران على وجه السرعة، مما أدى إلى انهيار المحادثات.
وتؤكد التقارير أن الفريق المفاوض جُرّد من صلاحياته لإبرام أي اتفاق نهائي، مما جعل وجوده في الخارج صورياً أكثر منه فعلياً.
مضيق هرمز: الرسائل الخشنة تُفشل الدبلوماسية
في الوقت الذي كان فيه عراقجي يحاول طمأنة المجتمع الدولي بإعلانه أن مضيق هرمز “مفتوح بالكامل” في 17 أبريل، جاء الرد من بحرية الحرس الثوري ميدانياً وعنيفاً.
وشنت القوات البحرية هجمات على سفن تجارية وأعلنت منع العبور لأي سفينة مهما كانت جنسيتها، في رسالة مباشرة تهدف إلى إحراج الجناح البراغماتي وإثبات أن القرار النهائي بيد “الميدان” لا وزارة الخارجية. هذا التصعيد أدى مباشرة إلى إلغاء الجولة التالية من المحادثات التي كانت مقررة في 21 أبريل.
مشهد الوحدة القسري وتراجع قاليباف
في خطوة تعكس سيطرة وحيدي الكاملة، شهد يومي 23 و24 أبريل صدور بيانات منسقة من مختلف أقطاب النظام، بمن فيهم قاليباف وبيزشكيان وعراقجي، تؤكد على “الوحدة خلف المبادئ الثورية”.
ويرى محللو معهد دراسات الحرب أن انخراط البراغماتيين في هذا الاستعراض الإعلامي، إلى جانب شخصيات مثل مجتبى خامنئي وإسماعيل قاآني وسعيد جليلي، هو إقرار ضمني بالهزيمة السياسية وقبول بهيمنة وحيدي على مقاليد القرار.
وتعززت هذه القراءة مع تواتر أنباء عن نية قاليباف الاستقالة من فريق التفاوض نتيجة إحباطه من تقليص صلاحياته، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي. وإذا ما تأكد استبداله بالمتشدد سعيد جليلي، فإن ذلك سيعني إغلاق نافذة الدبلوماسية المرنة بالكامل.
الرسالة السرية لمجتبى: صرخة تحذير أخيرة
على الرغم من الانكسار الظاهر، كشفت مصادر إيرانية عن رسالة سرية وجهها كبار المسؤولين (قاليباف، بيزشكيان، عراقجي، ومصطفى بورمحمدي) إلى مجتبى خامنئي، يحذرون فيها من أن الأزمة الاقتصادية لم تعد تُحتمل وأن الصدام العسكري الشامل سيكون كارثياً.
ومع ذلك، يبدو أن هذه التحذيرات لم تجد صدىً، إذ يرى معهد دراسات الحرب أن المعسكر “المعتدل” قد فقد نفوذه الفعلي على عملية صنع القرار الاستراتيجي.
التداعيات: نحو صدام وشيك؟
يخلص معهد دراسات الحرب إلى أن انتصار وحيدي يضع إيران على مسار تصادمي حتمي مع الولايات المتحدة، فالمطالب التي يتبناها معسكر وحيدي تتسم بالتشدد الأيديولوجي وترفض أي تنازل في البرامج الصاروخية أو النووية، وهي مطالب تتعارض كلياً مع الشروط الأمريكية المعلنة.
الأكثر خطورة هو “الاستعداد للمخاطرة”؛ حيث يبدو أن وحيدي ودائرته قد قبلوا احتمال نشوب صراع عسكري مباشر مع واشنطن مقابل تثبيت الهيمنة الإيرانية في المنطقة. وتعمل وسائل الإعلام التابعة للحرس الثوري حالياً على تعبئة الرأي العام الداخلي وتهيئته لاحتمالات الحرب تحت غطاء “الحكومة الموحدة”.
إن ما يحدث اليوم في دهاليز السلطة بطهران ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل هو حسم لصراع ممتد بين رؤية ترى البقاء في “المرونة البراغماتية” ورؤية يقودها وحيدي ترى البقاء في “المواجهة الثورية”، ويبدو أن الكفة قد مالت تماماً لصالح الرؤية الأخيرة، مما يجعل مستقبل المنطقة مرهوناً بلغة المدافع لا لغة الطاولات المستديرة.










