من هزيمة البرتغاليين في القرن السابع عشر إلى صراع الممرات اليوم.. طهران تربط الماضي بالحاضر لتأكيد نفوذها في أهم شريان للطاقة عالميًا
طهران – المنشر الإخبارى
في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، أعادت إيران تسليط الضوء على ما تسميه “الأساس التاريخي والسيادي” لسيطرتها على مضيق هرمز، مستحضرة ذكرى يوم الخليج الفارسي الذي يُحيى سنويًا في 30 أبريل، باعتباره محطة مفصلية في تاريخها البحري والسياسي، ورسالة واضحة في خضم صراع النفوذ الحالي.
ويمثل هذا اليوم، وفق الرواية الإيرانية الرسمية، ذكرى انتصار حاسم تحقق عام 1622، حين نجحت القوات الإيرانية في إنهاء قرن من الوجود البرتغالي على سواحلها الجنوبية، بعد معركة طويلة انتهت بالسيطرة على جزيرة هرمز الاستراتيجية، في واحدة من أبرز المواجهات ضد القوى الاستعمارية في تلك الحقبة.
وتؤكد طهران أن هذا الحدث لا يُعد مجرد ذكرى تاريخية، بل يشكل ركيزة أساسية لفهم سياستها الحالية في الخليج، خاصة في ظل ما تصفه بمحاولات خارجية متكررة للهيمنة على الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
جذور تاريخية تعزز الحاضر
تستند إيران في خطابها السياسي إلى تاريخ ممتد لأكثر من ألفي عام من التفاعل مع الخليج، حيث ترى أن وجودها في هذه المنطقة لم يكن طارئًا أو مرتبطًا بظروف مؤقتة، بل هو امتداد طبيعي لجغرافيا وتاريخ متصلين.
وتشير الرواية الإيرانية إلى أن القوى الأوروبية، وعلى رأسها البرتغال، سعت في القرن السادس عشر إلى السيطرة على الممرات البحرية في الخليج والمحيط الهندي، عبر إنشاء قواعد عسكرية وموانئ تجارية، وهو ما اعتبرته طهران لاحقًا تهديدًا مباشرًا لسيادتها.
ومع تصاعد التوترات، خاصة بعد ما وصفته بانتهاكات ضد سكان محليين في البحرين، تدخلت إيران عسكريًا، لتبدأ مرحلة من المواجهات انتهت بإخراج البرتغاليين من المنطقة، في انتصار تقول إنه غيّر موازين القوى في الخليج لقرون لاحقة.
الأبعاد الاستراتيجية لمضيق هرمز
في السياق المعاصر، تضع إيران مضيق هرمز في قلب استراتيجيتها الجيوسياسية، باعتباره ورقة ضغط رئيسية في مواجهة الضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة وحلفائها.
ويمر عبر المضيق نحو ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، ما يمنحه أهمية استثنائية في معادلة الطاقة الدولية. وتؤكد طهران أن سيطرتها الجغرافية على الضفة الشمالية، إضافة إلى انتشارها في عدد من الجزر الاستراتيجية، يمنحها قدرة فريدة على التأثير في حركة الملاحة.
وتذهب الرؤية الإيرانية إلى أبعد من ذلك، حيث تعتبر أن التحكم في هذا الممر لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يشمل أيضًا أبعادًا اقتصادية، مثل تنظيم حركة السفن وفرض رسوم عبور محتملة، فضلًا عن التأثير في سلاسل الإمداد العالمية.
بين التاريخ والسياسة: رسائل متعددة
لا تنفصل استعادة هذا الإرث التاريخي عن السياق السياسي الراهن، حيث تأتي في ظل تصاعد المواجهة مع الولايات المتحدة، التي فرضت حصارًا بحريًا على إيران في الأشهر الأخيرة، في محاولة للضغط عليها للعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة.
وترى طهران أن هذه الضغوط تعيد إلى الأذهان محاولات سابقة للسيطرة على الخليج، معتبرة أن التاريخ يثبت فشل مثل هذه السياسات على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، تحرص القيادة الإيرانية على توظيف المناسبات التاريخية لتعزيز خطابها السيادي، وربط الماضي بالحاضر، في رسالة موجهة إلى الداخل والخارج على حد سواء.
الجزر الاستراتيجية وصراع السيادة
تشكل الجزر الثلاث المتنازع عليها، وهي أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، جزءًا من هذا المشهد المعقد، حيث تؤكد إيران سيادتها عليها، مستندة إلى ما تصفه باتفاقيات تاريخية وترتيبات قانونية.
وتكتسب هذه الجزر أهمية خاصة نظرًا لموقعها داخل مضيق هرمز، حيث تمر بالقرب منها خطوط الملاحة الرئيسية، ما يجعلها نقاطًا حيوية في أي معادلة أمنية أو اقتصادية في المنطقة.
وتعتبر طهران أن إدارة هذه الجزر تمثل ضرورة استراتيجية، في ظل ما تصفه بتهديدات مستمرة من قوى خارجية، فضلًا عن وجود قواعد عسكرية أجنبية في دول مجاورة.
الاقتصاد والطاقة: قلب المعركة
إلى جانب البعد العسكري، يبرز البعد الاقتصادي كعامل حاسم في هذا الصراع، حيث تعتمد إيران بشكل كبير على صادرات الطاقة التي تمر عبر الخليج.
وتشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من تجارة إيران الخارجية، خاصة النفط والغاز، يمر عبر هذا الممر، ما يجعل أي تهديد له بمثابة تهديد مباشر للاقتصاد الإيراني.
وفي المقابل، تدرك القوى الدولية أهمية هذا المضيق، ليس فقط لإمدادات الطاقة، بل أيضًا لاستقرار الأسواق العالمية، وهو ما يفسر حساسية أي تصعيد في هذه المنطقة.
دبلوماسية أم مواجهة؟
رغم الخطاب الحاد في بعض الأحيان، تؤكد إيران أنها لا تسعى إلى التصعيد، بل تفضل الحلول الدبلوماسية، شريطة احترام سيادتها ومصالحها.
وتشير إلى أنها نجحت في تسوية معظم خلافاتها الحدودية مع الدول المجاورة عبر التفاوض، باستثناء بعض الملفات العالقة، التي ترى أنها لا تزال قابلة للحل في إطار الحوار.
وفي هذا السياق، تدعو طهران إلى تعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير آليات مشتركة لإدارة أمن الخليج، بعيدًا عن التدخلات الخارجية التي تعتبرها سببًا رئيسيًا في عدم الاستقرار.
في المحصلة، يبدو أن استحضار إيران لتاريخها في الخليج ليس مجرد استعادة لذكرى قديمة، بل هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية فاعلة، قادرة على التأثير في معادلات الأمن والطاقة العالمية.
وبينما تتواصل التوترات في المنطقة، يبقى مضيق هرمز نقطة ارتكاز أساسية في هذا الصراع، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية، في مشهد معقد قد يحمل في طياته تداعيات تتجاوز حدود الخليج إلى العالم بأسره.










