روما – المنشر الإخبارى
خلافات حادة بين إدارة ترامب وحلفائها الأوروبيين تتكشف مع تصاعد الغضب الشعبي من الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، فيما تحاول واشنطن إعادة تسويق المعركة تحت شعار “أمن الملاحة” بعد تراجع الدعم الغربي.
إيلاف من روما: كشفت تحركات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في العاصمة الإيطالية روما عن حجم القلق المتزايد داخل الإدارة الأمريكية من تآكل الدعم الغربي للحرب الدائرة ضد إيران، في وقت تتسع فيه الفجوة السياسية بين واشنطن وعدد من حلفائها الأوروبيين، وعلى رأسهم إيطاليا.
ووصل روبيو إلى روما في زيارة وصفتها تقارير غربية بأنها محاولة عاجلة لإعادة ترميم التحالف الغربي، بعد أسابيع من التوتر السياسي والدبلوماسي الذي أعقب الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما تبعها من اضطرابات اقتصادية وارتفاع حاد في أسعار الطاقة داخل أوروبا.
لقاءات لإنقاذ التحالف الغربي
وعقد وزير الخارجية الأمريكي سلسلة اجتماعات مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ووزير الخارجية أنطونيو تاياني، في محاولة لإقناع روما بضرورة الاصطفاف إلى جانب واشنطن في ما تسميه الإدارة الأمريكية “حماية الملاحة الدولية” في مضيق هرمز.
إلا أن الزيارة جاءت وسط أجواء سياسية متوترة، بعدما أبدت ميلوني تحفظات متزايدة تجاه السياسة الأمريكية، خصوصاً عقب الانتقادات الحادة التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البابا ليو الرابع عشر بسبب مواقفه الرافضة للحرب والداعية إلى وقف التصعيد.
وأثارت تصريحات ترامب غضباً واسعاً داخل الأوساط السياسية والدينية الإيطالية، ما دفع ميلوني إلى وصف الهجوم على البابا بأنه “غير مقبول”، في تحول لافت مقارنة بالعلاقة الوثيقة التي جمعتها سابقاً بالرئيس الأمريكي.
تراجع الحماس الأوروبي
وتشير تقارير سياسية إلى أن الحرب على إيران خلقت شرخاً واضحاً داخل المعسكر الغربي، بعدما رفضت عدة عواصم أوروبية الانخراط العسكري المباشر في المواجهة، وسط مخاوف من تداعيات اقتصادية وأمنية طويلة الأمد.
وفي إيطاليا، أظهرت استطلاعات الرأي تصاعداً كبيراً في رفض الرأي العام لأي مشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران، خصوصاً مع استمرار أزمة الطاقة وارتفاع تكاليف المعيشة.
ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تحاول إعادة صياغة خطابها السياسي، عبر التركيز على “حرية الملاحة” و”حماية الاقتصاد العالمي”، بدلاً من الحديث المباشر عن الحرب، في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي الأوروبي.
توتر مع الفاتيكان
وجاءت زيارة روبيو أيضاً في ظل أزمة متصاعدة بين البيت الأبيض والفاتيكان، بعدما اتهمت دوائر مقربة من ترامب البابا ليو الرابع عشر بالانحياز ضد المصالح الأمريكية، عقب إدانته الحرب على إيران ودعوته إلى وقف الهجمات على المدنيين.
وتحولت القضية إلى مادة سجال سياسي وإعلامي واسع في أوروبا، حيث اعتبرت قوى سياسية أن تصريحات ترامب ضد البابا تكشف حجم التوتر داخل المعسكر الغربي بشأن إدارة الحرب.
كما تصاعدت الانتقادات الأوروبية بعد تقارير تحدثت عن سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين داخل إيران، بينهم أطفال وطلاب ومدنيون في مناطق سكنية، ما زاد الضغوط على الحكومات الأوروبية لعدم الانجرار خلف التصعيد الأمريكي.
أزمة طاقة تضرب أوروبا
وفي الخلفية، تتزايد المخاوف الأوروبية من التداعيات الاقتصادية للحرب، خاصة مع اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.
وأدى التوتر العسكري إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما تسبب في موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية على دول الاتحاد الأوروبي التي تعاني أصلاً من تباطؤ النمو وارتفاع معدلات التضخم.
ويرى محللون أن استمرار المواجهة في الخليج قد يدفع أوروبا إلى أزمة طاقة جديدة، شبيهة بما حدث عقب الحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يفسر الحذر الأوروبي من الانخراط في أي تصعيد عسكري إضافي.
ميلوني ترفض الحرب
وفي واحدة من أوضح الرسائل السياسية، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أن بلادها “ليست في حالة حرب ولا تريد الذهاب إلى الحرب”، في موقف اعتبره مراقبون إشارة مباشرة إلى رفض روما الانخراط في أي تحالف عسكري جديد ضد إيران.
كما تعكس تصريحات ميلوني حجم التحول داخل أوروبا، حيث باتت العديد من الحكومات تسعى إلى تجنب التورط في صراع إقليمي مفتوح قد يهدد الاقتصاد الأوروبي والأمن الداخلي للقارة.
واشنطن تحت الضغط
ويأتي هذا التحرك الأمريكي في وقت تواجه فيه إدارة ترامب انتقادات متزايدة بسبب إدارة الحرب، خاصة بعد فشل الضغوط العسكرية في فرض تسوية سريعة أو دفع طهران إلى تقديم تنازلات حاسمة.
كما تتزايد التساؤلات داخل الأوساط الغربية بشأن جدوى استمرار العمليات العسكرية، في ظل التكاليف الاقتصادية والعسكرية المتصاعدة، واتساع دائرة التوتر في الخليج.
ويرى مراقبون أن واشنطن تحاول حالياً منع انهيار التحالف الغربي عبر تكثيف التحركات الدبلوماسية، لكن المؤشرات القادمة من أوروبا توحي بأن هامش المناورة الأمريكي بات أكثر ضيقاً من أي وقت مضى.
وتعكس زيارة روبيو إلى روما، بحسب مراقبين، حجم القلق الأمريكي من تحول الحرب على إيران إلى عبء استراتيجي يهدد وحدة المعسكر الغربي، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الأوروبية للتهدئة والعودة إلى المسار الدبلوماسي.











