فاراج يحقق اختراقًا انتخابيًا واسعًا ويهدد توازنات السياسة البريطانية
لندن – المنشر الإخبارى
في مشهد سياسي مضطرب يعكس عمق التحولات داخل الناخب البريطاني، خرج رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، زعيم حزب العمال، بتعهد جديد يقوم على “الاستماع” للناخبين بعد خسائر انتخابية وُصفت بأنها من بين الأسوأ في تاريخ الحزب الحديث على مستوى الانتخابات المحلية.
النتائج التي أعلنت بشكل شبه كامل عقب انتخابات جرت الخميس، كشفت عن تراجع واسع لحزب العمال في إنجلترا وويلز واسكتلندا، مقابل صعود لافت لحزب “ريفورم يو كيه” (Reform UK) بزعامة نايجل فاراج، المعروف بخطابه المناهض للهجرة وانتقاده الحاد للمؤسسات التقليدية في بريطانيا.
ستارمر، وفي محاولة لاحتواء تداعيات ما جرى، كتب في مقال بصحيفة “ذي غارديان” أن الدرس الأساسي من هذه الانتخابات هو ضرورة الاستماع للناخبين، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن ذلك لا يعني الانحياز لليمين أو اليسار، في إشارة إلى محاولته الحفاظ على توازن سياسي داخل حزب يتعرض لضغوط من أطياف مختلفة.
حزب العمال بين خسائر ميدانية وضغط داخلي متزايد
الانتخابات المحلية الأخيرة شكلت اختبارًا حقيقيًا لحكومة ستارمر، ليس فقط من حيث الأرقام، بل من حيث الدلالة السياسية العميقة للتحول في المزاج الشعبي.
في ويلز، خسر حزب العمال السيطرة على البرلمان المحلي لأول مرة منذ تأسيسه عام 1998، لصالح حزب “بلايد سيمرو” المؤيد للاستقلال، في تطور يعكس تصاعد النزعات الإقليمية داخل المملكة المتحدة.
أما في اسكتلندا، فقد تراجع الحزب بشكل ملحوظ، حيث خسر أربعة مقاعد وتساوى تقريبًا مع “ريفورم يو كيه”، في حين حافظ الحزب الوطني الاسكتلندي على هيمنته دون تحقيق الأغلبية المطلقة.
هذا التراجع لم يقتصر على الأطراف، بل امتد إلى قلب إنجلترا، حيث جرى التنافس على آلاف المقاعد في المجالس المحلية، وظهرت النتائج كإعادة توزيع قاسية للقوة السياسية بين الأحزاب.
صعود “ريفورم يو كيه” وتبدل المزاج الانتخابي
اللافت في هذه الانتخابات لم يكن فقط خسارة حزب العمال، بل الصعود القوي لحزب “ريفورم يو كيه”، الذي تمكن من حصد أكثر من 1400 مقعد، والسيطرة على عدد كبير من المجالس المحلية، في إنجاز اعتبره قادته “تحولًا تاريخيًا” في السياسة البريطانية.
هذا الصعود يعكس بوضوح تنامي التيار الشعبوي في بريطانيا، حيث استطاع الحزب استقطاب شرائح واسعة من الناخبين الغاضبين من سياسات الحكومة، خاصة في ملفات الهجرة، وتكاليف المعيشة، والخدمات العامة.
نايجل فاراج، أحد أبرز رموز معسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي، عاد إلى الواجهة السياسية بقوة، مستفيدًا من حالة الإحباط العام، ليعيد طرح نفسه كبديل للمنظومة السياسية التقليدية التي تضم حزب العمال والمحافظين.
المحافظون يتراجعون والمعارضة تتشظى
في المقابل، واصل حزب المحافظين تراجعه، مكتفيًا بحصد 773 مقعدًا، ليأتي خلف حزب الديمقراطيين الليبراليين الذي حقق 834 مقعدًا، بينما سجل حزب الخضر مكاسب محدودة نسبياً.
هذا التراجع من جانب المحافظين يعكس استمرار أزمة الثقة داخل الحزب بعد سنوات من التذبذب السياسي، منذ مرحلة ما بعد البريكست، وما تبعها من تغييرات حكومية متلاحقة.
لكن الأخطر من ذلك هو ما يبدو أنه تفكك في الخريطة الحزبية التقليدية في بريطانيا، حيث لم يعد الصراع محصورًا بين حزبين كبيرين، بل أصبح متعدد الأقطاب، مع دخول أحزاب جديدة على خط المنافسة بشكل مؤثر.
ستارمر بين ضغوط الداخل وتحديات الحكم
تصريحات ستارمر الأخيرة تعكس إدراكًا واضحًا لحجم الأزمة، لكنه في الوقت نفسه يحاول رسم خط سياسي يمنع انزلاق الحزب نحو ردود فعل متسرعة أو تغييرات جذرية قد تربك الحكومة.
في مقاله، وصف النتائج بأنها “مؤلمة”، وربطها بحالة “التشرذم السياسي” المتزايد في البلاد، معتبرًا أن هذا الوضع هو نتيجة مباشرة لإحباط الناخبين من الأداء السياسي والاقتصادي في السنوات الأخيرة.
ورغم تصاعد الدعوات داخل الحزب لإجراء تغييرات قيادية أو إعادة تقييم الاستراتيجية السياسية، إلا أن ستارمر أكد أنه باقٍ في منصبه في “داونينغ ستريت”، مع وعد بتحديد مسار عمل جديد خلال الأيام المقبلة.
بريطانيا أمام مشهد سياسي أكثر تعقيدًا
التحولات التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة لا يمكن قراءتها باعتبارها حدثًا انتخابيًا عابرًا، بل هي مؤشر على إعادة تشكيل أعمق للمشهد السياسي البريطاني.
فمن جهة، هناك حزب حاكم يسعى إلى تثبيت موقعه وسط خسائر انتخابية موجعة، ومن جهة أخرى، هناك صعود لقوى يمينية شعبوية تعيد صياغة الخطاب السياسي حول الهجرة والهوية والسيادة.
وفي الخلفية، تتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على المواطنين، من ارتفاع تكاليف المعيشة إلى تراجع الخدمات العامة، وهو ما يغذي حالة السخط الشعبي ويزيد من تقلبات المزاج الانتخابي.
مستقبل غامض وحسابات مفتوحة
في ضوء هذه النتائج، تبدو المرحلة المقبلة في بريطانيا مفتوحة على جميع السيناريوهات، من تعديل حكومي محتمل، إلى إعادة صياغة أولويات حزب العمال، وصولًا إلى احتمالات تغير أوسع في شكل النظام الحزبي نفسه.
ستارمر، الذي جاء إلى السلطة على وعد بإعادة الاستقرار السياسي، يجد نفسه اليوم أمام مشهد أكثر تعقيدًا مما كان متوقعًا، حيث لم تعد التحديات خارجية فقط، بل باتت داخلية أيضًا، من داخل الحزب ومن قواعده الانتخابية.
وفي الوقت الذي يواصل فيه “ريفورم يو كيه” توسيع نفوذه، تبدو الأحزاب التقليدية أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرتها على التكيف مع مزاج ناخب أصبح أكثر تقلبًا وأقل ثقة في الخطابات السياسية التقليدية.











