مخاوف من إطالة المرحلة الانتقالية وسط انطلاق أعمال اللجنة الأممية لصياغة القوانين الانتخابية
طرابلس – المنشر الإخبارى
أعاد تمسك رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة بضرورة اعتماد الدستور قبل إجراء الانتخابات العامة إشعال الجدل السياسي في ليبيا، وسط تصاعد التساؤلات حول مستقبل الاستحقاق الانتخابي وإمكانية دخوله في دائرة التأجيل مجددًا.
ويأتي موقف الدبيبة في توقيت حساس، بالتزامن مع انطلاق أعمال اللجنة الأممية المشتركة “4+4” المعنية بصياغة القوانين الانتخابية، الأمر الذي فتح الباب أمام نقاش واسع بشأن أهداف هذا الطرح وما إذا كان يمثل محاولة لبناء مسار دستوري مستقر، أم خطوة سياسية تمنح الحكومة الحالية مزيدًا من الوقت للبقاء في السلطة.
ويرى متابعون للشأن الليبي أن ربط الانتخابات بإنجاز الدستور أولًا يضيف تعقيدات جديدة إلى المشهد السياسي، خاصة أن ملف الدستور لا يزال من أكثر الملفات الخلافية داخل البلاد، بسبب التباينات الحادة حول طبيعة النظام السياسي وتوزيع الصلاحيات وشكل الدولة ومستقبل المؤسسة العسكرية.
وفي هذا السياق، قال رئيس حزب “صوت الشعب” الليبي فتحي الشبلي إن عبد الحميد الدبيبة كان واضحًا عندما أعلن أنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة تستند إلى دستور معتمد، معتبرًا أن رئيس الحكومة يسعى لتقديم موقفه باعتباره دفاعًا عن استقرار الدولة ومنعًا للدخول في مراحل انتقالية جديدة أو فرض حكومات عبر التفاهمات السياسية.
لكن الشبلي أشار في المقابل إلى أن خصوم الدبيبة ينظرون إلى هذا الطرح باعتباره وسيلة عملية لإطالة أمد بقائه في السلطة، خاصة أن إنجاز الدستور الليبي لا يبدو قريبًا في ظل استمرار الخلافات السياسية والقانونية حوله، وهو ما قد يعني تأجيل الانتخابات لفترة طويلة.
وأوضح أن الجدل القائم حاليًا يعكس انقسامًا واضحًا بين تيار يعتبر الدعوة إلى “الدستور أولًا” محاولة لبناء مؤسسات مستقرة، وآخر يرى فيها مناورة سياسية هدفها الحفاظ على النفوذ وتأخير أي انتقال سياسي جديد.
من جانبه، اعتبر المحلل السياسي الليبي الدكتور خالد محمد الحجازي أن تصريحات الدبيبة تعكس بصورة واضحة أن الانتخابات الليبية لا تزال بعيدة نسبيًا، رغم الحديث المتكرر عن قرب تنظيمها.
وأشار الحجازي إلى أن ملف الدستور في ليبيا ليس قضية تقنية بسيطة يمكن حسمها خلال فترة قصيرة، بل يمثل أزمة سياسية عميقة ترتبط بشكل الدولة وطبيعة النظام السياسي وصلاحيات الرئيس والعلاقة بين الأقاليم، إضافة إلى قضايا شائكة تتعلق بالمؤسسة العسكرية وتوزيع الثروة والسلطة.
وأكد أن ربط إجراء الانتخابات بضرورة إقرار قاعدة دستورية كاملة أو إجراء استفتاء على الدستور قبل الذهاب إلى صناديق الاقتراع يعني عمليًا إطالة المرحلة الانتقالية وتأجيل الحسم السياسي.
وأضاف أن هناك عدة دوافع محتملة وراء تمسك الدبيبة بهذا الطرح، أبرزها إدراكه أن إجراء انتخابات مباشرة دون تفاهمات وضمانات سياسية قد يؤدي إلى خروجه من المشهد السياسي، في ظل تزايد الضغوط المحلية والدولية المطالبة بإعادة تشكيل السلطة التنفيذية الحالية.
ويرى الحجازي أن شعار “الدستور أولًا” يمنح الحكومة الحالية هامشًا زمنيًا إضافيًا للاستمرار في السلطة تحت غطاء استكمال البناء القانوني والدستوري للدولة.
وفي الوقت نفسه، أشار إلى وجود مخاوف حقيقية لدى بعض القوى السياسية من إجراء انتخابات استنادًا إلى قوانين مؤقتة أو تفاهمات هشة، معتبرين أن ذلك قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر تعقيدًا، كما حدث عقب انتخابات عام 2014 والأزمة المرتبطة بقوانين انتخابات 2021.
وأوضح أن الحديث عن الدستور يُستخدم كذلك كوسيلة لتفادي الدخول في انتخابات قد تُرفض نتائجها أو تُفجر نزاعات جديدة بين الأطراف المتنافسة.
وأضاف الحجازي أن الدبيبة يحاول أيضًا تقديم نفسه أمام المجتمع الدولي باعتباره رجل دولة يدافع عن بناء مؤسسات دائمة ومستقرة، وليس مجرد البحث عن حلول انتقالية مؤقتة، عبر التركيز على أهمية وجود قاعدة دستورية تنظم شكل النظام السياسي مستقبلًا.
لكن في المقابل، يرى قطاع واسع من المراقبين أن تكرار الحديث عن أولوية الدستور تحول في السنوات الأخيرة إلى أداة سياسية لتعطيل الانتخابات أكثر من كونه مشروعًا فعليًا لبناء الدولة، خاصة أن القوى السياسية الليبية تدرك جيدًا حجم التعقيدات المرتبطة بهذا الملف وإمكانية استمراره لسنوات دون توافق نهائي.
ويعتقد محللون أن الأزمة الليبية لم تعد مرتبطة فقط بإجراء الانتخابات، بل أصبحت تدور حول سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمن يملك حق وضع قواعد المرحلة المقبلة، ومن يضمن الحفاظ على نفوذه السياسي والعسكري في أي ترتيبات مستقبلية.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو ليبيا عالقة مجددًا بين شعارات التوافق الوطني، وحسابات البقاء في السلطة، وضغوط التوازنات الإقليمية والدولية، بينما يظل موعد الانتخابات رهينًا بصراع مفتوح على شكل الدولة ومستقبل الحكم في البلاد.










