بغداد – المنشر الاخباري، 14 مايو 2026، أسدلت المحكمة الجنائية العليا في بغداد الستار اليوم الخميس على قضية أحد أبرز رموز القمع في عهد صدام حسين، بإصدارها حكما بالإعدام شنقا بحق المدان “عجاج أحمد حردان التكريتي”، الملقب بـ “حجاج نكرة السلمان”.
الحكم يمثل انتصارا معنويا وقضائيا لآلاف الضحايا الذين ذاقوا الويلات في سجن “نكرة السلمان” الصحراوي بمحافظة السماوة، والذي ارتبط اسمه بالموت والتعذيب.
سقوط “الحجاج”: عملية استخباراتية أنهت أسطورة الموت
كشف بيان لجهاز الأمن الوطني العراقي عن تفاصيل العملية الاستخباراتية المعقدة التي أدت للإطاحة بـ “عجاج”، فبعد أكثر من ثلاثة عقود من التخفي، وتحديدا منذ أغسطس من العام الماضي، نجح الجهاز في ملاحقة المتهم بناء على جهد استخباري مضن استمر لأكثر من ستة أشهر.
وأوضح البيان أن ذوي المتهم اتبعوا استراتيجية تضليلية بارعة طوال سنوات، عبر الترويج لإشاعة وفاته رسميا لإغلاق ملفه الجنائي نهائيا. إلا أن التحريات الدقيقة، وتحليل المعلومات الاستخبارية المتقاطعة، ومطابقة الإفادات القديمة مع شهادات حية جديدة، قادت فرق المداهمة إلى تحديد مكان اختبائه بدقة داخل محافظة صلاح الدين، حيث جرى اعتقاله فورا وبدء مواجهته بضحاياه.
اعترافات تزلزل الوجدان: اغتصاب وتجويع وإبادة
لم تكن المحاكمة مجرد إجراء قانوني، بل كانت رحلة في دهاليز القسوة البشرية؛ حيث أسفرت التحقيقات عن اعترافات صريحة أدلى بها التكريتي، كشفت عن وجهه الإجرامي الصارخ خلال فترة خدمته التي قضاها مشرفا عاما على سجن نكرة السلمان.
وتضمنت هذه الاعترافات تورطه المباشر في جرائم يندى لها الجبين، منها اغتصاب امرأة كوردية معتقلة من ضحايا حملات الأنفال، واعتماده سياسة تجويع ممنهجة أدت لوفاة المئات من المعتقلين، فضلا عن مسؤوليته المباشرة عن عمليات تصفية جسدية نفذها جهاز المخابرات آنذاك ضد المعارضين والمحتجزين القابعين في غياهب الصحراء.
السيرة الدموية.. من كلية الأمن إلى “نكرة السلمان”
ولد عجاج أحمد حردان العبيدي في محافظة صلاح الدين، وتخرج في كلية الأمن القومي (الدورة السابعة)، وتدرج في مناصب أمنية مختلفة في مديريات أمن أربيل، الرميثة، النجمي، بصية، والمثنى، حتى استقر به المطاف مشرفا على سجن نكرة السلمان.
وهناك، أطلق عليه المعتقلون لقب “الحجاج” استذكارا لدموية الحجاج بن يوسف الثقفي، لقسوته المفرطة وتلذذه بتعذيب المحتجزين.
وأكد رئيس جهاز الأمن الوطني، عبد الكريم عبد فاضل (أبو علي البصري)، أن عملية القبض جاءت بعد تحقيقات موسعة شملت اعترافات كبار الضباط السابقين، التي كشفت أن “عجاج” كان اليد الطولى للنظام في تنفيذ جرائم التهجير القسري والاعتقالات الجماعية.
الغطاء القانوني وحقوق الضحايا
أعلن مجلس القضاء الأعلى أن الحكم صدر استنادا للمواد (11، 12، 15، و24) من قانون المحكمة الجنائية العليا رقم 10 لسنة 2005.
وأوضح المجلس أن المدان نفذ سياسات وحشية تسببت في موت ودفن (1068) شخصا في مقابر جماعية، شملت نساء وأطفالا وكبار سن، ضمن مشروع إجرامي منظم ضد المواطنين الكرد إبان حملات الأنفال عام 1988.
وفي ختام المحاكمة، أكد محامو الضحايا في مؤتمر صحفي أن “كشف الدلالة” وتطابق شهادات الشهود الحية مع نتائج التحقيقات الميدانية لم يتركا مجالا للشك في تورط التكريتي، مما جعل حكم الإعدام “جزاء عادلا” يغلق واحدة من أكثر صفحات التاريخ العراقي قتامة.










